منتدى المسلمون لكل المسلمين

يا جماعة ياريت نزود من مشاركاتنا فى المنتدى سواء بمواضيع او بردود علشان نزود من رتبة المنتدى فى محركات البحث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» بيان من حزب التحرير – سوريا إلى علماء المسلمين
الخميس فبراير 16, 2012 6:25 pm من طرف محمد صالح

» أهلاً بالعضوة الجديدة مسلمة
الإثنين مارس 21, 2011 1:06 am من طرف Mostafa.M

» لماذا نرسم الخرائط والشمال نحو الأعلى؟!
الجمعة مارس 18, 2011 10:57 pm من طرف Mostafa.M

» قل نعم للتعديلات الدستورية
الجمعة مارس 18, 2011 10:47 pm من طرف Mostafa.M

» الأمن الغذائي للمسلمين
الجمعة مارس 18, 2011 10:42 pm من طرف Mostafa.M

» أردوغان...كفى...إرحمنا أرجوك!؟
الجمعة مارس 18, 2011 10:41 pm من طرف Mostafa.M

» طوف وشوف فى اليمن الشقيق
الجمعة مارس 18, 2011 10:39 pm من طرف Mostafa.M

»  تحقيق التوازن
السبت سبتمبر 11, 2010 5:48 pm من طرف Mostafa.M

» ساعة الأرض اقتربت!
الثلاثاء أغسطس 17, 2010 3:14 pm من طرف elzedy83

أكتوبر 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية

تصويت
تدفق ال RSS

Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 94 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو معمري بشير فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 1527 مساهمة في هذا المنتدى في 716 موضوع

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

سلسلة تراجم أعلام المسلمين(منتدى المسلمون)-الجزء الأول

انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 3]

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
( منقول من عدة مصادر وترجمات بمؤلفات )
أولا : تراجم الفقهاء والحفاظ والمفسرين
ثانيا : أئمة المذاهب الأربعة()

ثالثا : النساء()
رابعا : القراء ()
خامسا : مقرئين ( )




أولا : تراجم الفقهاء والحفاظ والمفسرين
الإمام البخاري




أمير أهل الحديث
الإمام الجليل والمحدث العظيم محمد بن إسماعيل البخاري أمير أهل الحديث وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، يقول البخاري: صنفت الصحيح في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
ولم يشهد تاريخ الإسلام مثله في قوة الحفظ ودقة الرواية والصبر على البحث مع قلة الإمكانات، حتى أصبح منارة في الحديث وفاق تلامذته وشيوخه على السواء.
ويقول عنه أحد العلماء: لا أعلم أني رأيت مثله كأنه لم يخلق إلا للحديث.
فمع سيرة البخاري ومواقف من حياته.


نسبه ومولده
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري وكلمة بردزبه تعني بلغة بخارى "الزراع"
أسلم جده "المغيرة" على يدي اليمان الجعفي والي بخارى وكان مجوسيا وطلب والده إسماعيل بن إبراهيم العلم والتقى بعدد من كبار العلماء، وروى إسحاق بن أحمد بن خلف أنه سمع البخاري يقول سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه.
ولد أبو عبد الله في يوم الجمعة الرابع من شوال سنة أربع وتسعين.
ويروى أن محمد بن إسماعيل عمي في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام فقال لها يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك أو كثرة دعائك شك البلخي فأصبحت وقد رد الله عليه بصره.


قوة حفظه وذاكرته
ووهب الله للبخاري منذ طفولته قوة في الذكاء والحفظ من خلال ذاكرة قوية تحدى بها أقوى الاختبارات التي تعرض لها في عدة مواقف.
يقول محمد بن أبي حاتم: قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك قال ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب فقلت كم كان سنك فقال عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت:هو الزبير بن عدي عن إبراهيم.
فأخذ القلم مني وأحكم( أصلح) كتابه وقال: صدقت.
فقيل للبخاري ابن كم كنت حين رددت عليه قال ابن إحدى عشرة سنة.
ولما بلغ البخاري ست عشرة سنة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع.
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع فقال لنا يوما بعد ستة عشر يوما إنكما قد أكثرتما على وألححتما فاعرضا على ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
وقال ابن عدي حدثني محمد بن أحمد القومسي سمعت محمد ابن خميرويه سمعت محمد بن إسماعيل يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح
قال وسمعت أبا بكر الكلواذاني يقول ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلماء فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث بمرة.


طلبه للحديث
رحل البخاري بين عدة بلدان طلبا للحديث الشريف ولينهل من كبار علماء وشيوخ عصره في بخارى وغيرها.
وروي عن البخاري أنه كان يقول قبل موته: كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
ونعود إلى البخاري في رحلته في طلب العلم ونبدأها من مسقط رأسه بخارى فقد سمع بها من الجعفي المسندي ومحمد بن سلام البيكندي وجماعة ليسوا من كبار شيوخه ثم رحل إلى بلخ وسمع هناك من مكبن بن إبراهيم وهو من كبار شيوخه وسمع بمرو من عبدان بن عثمان وعلي بن الحسن بن شقيق وصدقة بن الفضل. وسمع بنيسابور من يحيى بن يحيى وجماعة من العلماء وبالري من إبراهيم بن موسى.
وفي أواخر سنة 210هـ قدم البخاري العراق وتنقل بين مدنها ليسمع من شيوخها وعلمائها. وقال البخاري دخلت بغداد آخر ثمان مرات في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل فقال لي في آخر ما ودعته يا أبا عبد الله تدع العلم والناس وتصير إلى خراسان قال فأنا الآن أذكر قوله.
ثم رحل إلى مكة وسمع هناك من أبي عبد الرحمن المقرئ وخلاد بن يحي وحسان بن حسان البصري وأبي الوليد أحمد بن محمد الأزرقي والحميدي.
وسمع بالمدينة من عبد العزيز الأويسي وأيوب بن سليمان بن بلال وإسماعيل بن أبي أويس.
وأكمل رحلته في العالم الإسلامي آنذاك فذهب إلى مصر ثم ذهب إلى الشام وسمع من أبي اليمان وآدم بن أبي إياس وعلي بن عياش وبشر بن شعيب وقد سمع من أبي المغيرة عبد القدوس وأحمد بن خالد الوهبي ومحمد بن يوسف الفريابي وأبي مسهر وآخرين.


مؤلفات البخاري
عد العلماء كتاب الجامع الصحيح المعروف بـ"صحيح البخاري" أصح كتاب بعد كتاب الله، ويقول عنه علماء الحديث "هو أعلى الكتب الستة سندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شيء كثير من الأحاديث وذلك لأن أبا عبد الله أسن الجماعة وأقدمهم لقيا للكبار أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عنهم"
ويقول في قصة تأليفه "الجامع الصحيح ":" كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب"
ويقول في بعض الروايات:
ـ أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مائة ألف حديث.
ـ ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
ـ ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب.
ويروي البخاري أنه بدأ التأليف وعمره 18 سنة فيقول:
"في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله في الليالي المقمرة وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب، وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي فإذا جئت أستحي أن أسلم عليهم فقال لي مؤدب من أهلها كم كتبت اليوم فقلت: اثنين وأردت بذلك حديثين فضحك من حضر المجلس فقال شيخ منهم لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يوما"
وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم قلت لأبي عبد الله تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف فقال لا يخفى علي جميع ما فيه، وسمعته يقول صنفت جميع كتبي ثلاث مرات.


دقته واجتهاده
ظل البخاري ستة عشر عاما يجمع الأحاديث الصحاح في دقة متناهية، وعمل دؤوب، وصبر على البحث وتحري الصواب قلما توافرت لباحث قبله أو بعده حتى اليوم، وكان بعد كل هذا لا يدون الحديث إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين.
يروي أحد تلامذته أنه بات عنده ذات ليلة فأحصى عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها.
وروي عن البخاري أنه قال: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث إن كان الرجل فهما، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.
وكان العباس الدوري يقول: ما رأيت أحدا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل كان لا يدع أصلا ولا فرعا إلا قلعه ثم قال لنا لا تدعوا من كلامه شيئا إلا كتبتموه.


تفوقه على أقرانه في الحديث
ظهر نبوغ البخاري مبكرا فتفوق على أقرانه، وصاروا يتتلمذون على يديه، ويحتفون به في البلدان.
فقد روي أن أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شابا لم يخرج وجهه.
وروي عن يوسف بن موسى المروروذي يقول كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري فقاموا في طلبه وكنت معهم فرأينا رجلا شابا يصلي خلف الأسطوانة فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم فلما كان الغد اجتمع قريب من كذا كذ ألف فجلس للإملاء وقال يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون منها.
وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد هذا و إسناد هذا لمتن هذا ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس فاجتمع الناس وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته فقال لا أعرفه وسأله عن آخر فقال لا أعرفه وكذلك حتى فرغ من عشرته فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول والبخاري يقول لا أعرفه ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس وهو لا يزيدهم على لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فكذا والثاني كذا والثالث كذا إلى العشرة فرد كل متن إلى إسناده وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول الكبش النطاح.
وروي عن أبي الأزهر قال كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة البخاري فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى قال محمد بن إسماعيل يوما رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت له: يا أبا عبد الله بكماله قال: فسكت.


من كلمات البخاري
[لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة]
[ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي]
[ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه]


مواقف من حياة البخاري
وقال بكر بن منير سمعت أبا عبد الله البخاري يقول أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا قلت صدق رحمه الله ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر ونحو هذا. وقل أن يقول فلان كذاب أو كان يضع الحديث حتى إنه قال إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا وهذا هو والله غاية الورع.
يقول محمد بن أبي حاتم: كان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة وكان لا يوقظني في كل ما يقوم فقلت أراك تحمل على نفسك ولم توقظني قال أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك.
*يروي البخاري فيقول كنت بنيسابور أجلس في الجامع فذهب عمرو بن زرارة وإسحاق بن راهويه إلى يعقوب بن عبد الله والي نيسابور فأخبروه بمكاني فاعتذر إليهم وقال مذهبنا إذا رفع إلينا غريب لم نعرفه حبسناه حتى يظهر لنا أمره فقال له بعضهم: بلغني أنه قال لك لا تحسن تصلي فكيف تجلس فقال لو قيل لي شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة.
وذات يوم ناظر أبو بكر البخاري في أحاديث سفيان فعرفها كلها ثم أقبل محمد عليه فأغرب عليه مائتي حديث فكان أبو بكر بعد ذلك يقول ذاك الفتى البازل والبازل الجمل المسن إلا أنه يريد هاهنا البصير بالعلم الشجاع.
قال محمد بن أبي حاتم سمعت البخاري يقول دخلت بلخ فسألني أصحاب الحديث أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثا فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.
قال أبو جعفر سمعت أبا عمر سليم بن مجاهد يقول كنت عند محمد بن سلام البيكتدي فقال لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث قال فخرجت في طلبه حتى لحقته قال أنت الذي يقول إني أحفظ سبعين ألف حديث قال نعم وأكثر ولا أجيئك بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرفتك مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل ركبانا على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة.


ورعه
• قال محمد بن أبي حاتم ركبنا يوما إلى الرمي، فجعلنا نرمي وأصاب سهم أبي عبد الله البخاري وتد القنطرة الذي على نهر ورادة فانشق الوتد فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي وقال لنا ارجعوا ورجعنا معه إلى المنزل. فقال لي يا أبا جعفر لي إليك حاجة مهمة قالها وهو يتنفس الصعداء، وقال لمن معنا اذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته فقلت أية حاجة هي. قال لي: تضمن قضاءها؟ قلت نعم على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول له إنا قد أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا. وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له أنت في حل مما كان منك وجميع ملكي لك الفداء وإن قلت نفسي أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي فأبلغته رسالته فتهلل وجهه واستنار وأظهر سرورا وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوا من خمسمائة حديث وتصدق بثلاث مائة درهم.
• وقال بن أبي حاتم ورأيته استلقى على قفاه يوما ونحن بفربر في تصنيفه كتاب التفسير وأتعب نفسه ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له إني أراك تقول إني ما أثبت شيئا بغير علم قط منذ عقلت فما الفائدة في الاستلقاء قال أتعبنا أنفسنا اليوم وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العد فأحببت أن استريح وآخذ أهبة فإن فاجئنا العدو كان بنا حراك.
• وضيفه بعض أصحابه في بستان له وضيفنا معه فلما جلسنا أعجب صاحب البستان بستانه وذلك أنه كان عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال له يا أبا عبد الله كيف ترى فقال هذه الحياة الدنيا.
• وقال أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن يعني إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال لا أعلم من مالي درهما من حرام ولا درهما من شبهة قال أحمد فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك ثم قال أبو عبد الله أصدق ما يكون الرجل عند الموت.
وكان الحسين بن محمد السمرقندي يقول كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم.


عمله بالتجارة
وعمل البخاري بالتجارة فكان مثالا للتاجر الصدوق الذي لا يغش ولا ينقض نيته مهما كانت المغريات.
روي أنه حملت إلى البخاري بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم فقال انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف فقال إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة.


يتبع.



عدل سابقا من قبل hamo81 في الإثنين يناير 04, 2010 7:15 pm عدل 1 مرات


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
ثناء الأئمة عليه
قال أبو إسحاق السرماري: من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه فلينظر إلى محمد بن إسماعيل.
قال أبو جعفر سمعت يحيى بن جعفر يقول لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت فإن موتي يكون موت رجل واحد وموته ذهاب العلم.
وكان نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
قال مصعب الزهري محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث.
وروي عن إسحاق بن راهويه أنه كان يقول اكتبوا عن هذا الشاب يعني البخاري فلو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه.
وكان علي بن حجر يقول أخرجت خراسان ثلاثة أبو زرعة ومحمد بن إسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وقال محمد بن أبي حاتم سمعت إبراهيم بن خالد المروزي يقول رأيت أبا عمار الحسين بن حريث يثني على أبي عبد الله البخاري ويقول لا أعلم أني رأيت مثله كأنه لم يخلق إلا للحديث.
وقال محمد حدثني حاتم بن مالك الوراق قال سمعت علماء مكة يقولون محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان.
وقال أبو الطيب حاتم بن منصور الكسي يقول محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم.
وقال سليم بن مجاهد يقول لو أن وكيعا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل.
وروي عن قتيبة بن سعيد أنه قال لو كان محمد في الصحابة لكان آية. نظرت في الحديث ونظرت في الرأي وجالست الفقهاء والزهاد والعباد ما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمام أهل الحديث.
قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله وأحفظ له من محمد بن إسماعيل.
قال محمد بن حمدون بن رستم سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى البخاري فقال دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.
وقال سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بالبصرة يقولون ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح.


من كرم البخاري وسماحته
قال محمد بن أبي حاتم كانت له قطعة أرض يؤجرها كل سنة بسبع مائة درهم فكان ذلك المؤجر ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثاء النضيج وكان يؤثره على البطيخ أحيانا فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانا.
قال وسمعته يقول كنت أستغل كل شهر خمس مائة درهم فأنفقت كل ذلك في طلب العلم فقلت كم بين من ينفق على هذا الوجه وبين من كان خلوا من المال فجمع وكسب بالعلم حتى اجتمع له فقال أبو عبد الله: ما عند الله خير وأبقى (الشورى:36)
وكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد وكان لا يفارقه كيسه.
ويقول عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله البخاري في منزله فجاءته جارية وأرادت دخول المنزل فعثرت على محبرة بين يديه فقال لها: كيف تمشين؟ قالت إذا لم يكن طريق كيف أمشي فبسط يديه وقال لها اذهبي فقد أعتقتك. قال فقيل له فيما بعد يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية قال إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت.


محنة البخاري
تعرض البخاري للامتحان والابتلاء، وكثيرا ما تعرض العلماء الصادقون للمحن فصبروا على ما أوذوا في سبيل الله، ولقد حسد البعض البخاري لما له من مكانة عند العلماء وطلاب العلم وجماهير المسلمين في كل البلاد الإسلامية، فأثاروا حوله الشائعات بأنه يقول بخلق القرآن، ولذلك قصة يرويها أبو أحمد بن عدي فيقول: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه فحسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه واجتماعهم عليه. فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول اللفظ بالقران مخلوق فامتحنوه في المجلس فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقران مخلوق هو أم غير مخلوق فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فقال الرجل يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول فأعرض عنه، ثم قال في الثالثة فالتفت إليه البخاري وقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه وقعد البخاري في منزله.
وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك قال لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته، وكان يقول أما أفعال العباد فمخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو مالك عن ربعي عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يصنع كل صانع وصنعته.
وبه قال وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة قال البخاري حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله تعالى {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} (العنكبوت 49).
وقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر.
وقال أيضا: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة.
وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى فقبض على لحيته ثم قال "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" (غافر 44) اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرئاسة إنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير ثم قال لي يا أحمد إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي، فأخبرت جماعة أصحابنا فو الله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.
وقال محمد بن أبي حاتم أتى رجل عبد الله البخاري فقال يا أبا عبد الله إن فلانا يكفرك فقال: " قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" وكان كثير من أصحابه يقولون له إن بعض الناس يقع فيك فيقول "إن كيد الشيطان كان ضعيفا" (النساء 76)، ويتلو أيضا "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" (فاطر 43) فقال له عبد المجيد بن إبراهيم كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" وقال صلى الله عليه وسلم "من دعا على ظالمه فقد انتصر"


محنته مع أمير بخارى
روى أحمد بن منصور الشيرازي قال سمعت بعض أصحابنا يقول لما قدم أبوعبد الله بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق أحد إلا استقبله ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير فبقي أياما قال فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا لا نفارقه فأمره الأمير بالخروج من البلد فخرج.
قال أحمد بن منصور فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى فتقدمت إليه فقلت يا أبا عبد الله كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر فقال لا أبالي إذا سلم ديني.
وروي عن بكر بن منير بن خليد بن عسكر أنه قال: بعث الأمير خالد ابن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب الجامع و التاريخ وغيرهما لأسمع منك فقال لرسوله أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" فكان سبب الوحشة بينهما هذا.


وفاة البخاري
توفي البخاري ـ رحمه الله ـ ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين وقد بلغ اثنتين وستين سنة، وروي في قصة وفاته عدة روايات منها:
قال محمد بن أبي حاتم سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إنه أقام عندنا أياما فمرض واشتد به المرض، فلما وافى تهيأ للركوب فلبس خفيه وتعمم فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها فقال رحمه الله أرسلوني فقد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله فسال منه العرق شيء لا يوصف فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك فدام ذلك أياما ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون ويتعجبون وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر حتى ظهر القبر ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس وغلبنا على أنفسنا فنصبنا على القبر خشبا مشبكا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب ولم يكونوا يخلصون إلى القبر وأما ريح الطيب فإنه تداوم أياما كثيرة حتى تحدث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته وخرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب قال محمد بن أبي حاتم ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إلا القليل وأوصى أن يدفن إلى جنبه.
وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت ما وقوفك يا رسول الله قال أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري فلما كان بعد أيام بلغني موته فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
رحم الله الإمام البخاري رحمة واسعة وجزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين وعن حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).
ـــــــــــــ
المصادر:
(1) سير أعلام النبلاء.
(2) تاريخ بخارى.
(3) مقدمة صحيح البخاري.

***********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام مسلم وصحيحه

بدأ تدوين الحديث النبوي رسميًا في خلافة عمر بن عبد العزيز بإشارة منه، فقد كتب إلى الأمصار يأمر العلماء بجمع الحديث وتدوينه، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله، ومنذ ذلك الوقت بدأ العلماء في همة عالية وصبر جميل يجمعون أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدونونها في كتب، ولم تكن المهمة يسيرة أو المسئولية سهلة، وتكاد تفوق في عظمها وجسامة المسئولية جمع القرآن الذي تم في عهد الصديق أبي بكر، فالقرآن محفوظ في صدور الصحابة على الترتيب الموجود بين أيدينا، ويصعب أن يختلط بغيره، أما السنة فأئمتها متفرقون في البلاد، ولا يعلم عدد أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدخل الكذابون والوضاعون في الحديث ما ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان هذا مكمن الصعوبة ويحتاج إلى مناهج غاية في الدقة والصرامة لتبين الحديث الصحيح من غيره، وهذا ما قام به جهابذة الحديث وأئمة العلم العظام.

وفي منتصف القرن الثاني الهجري بدأ التأليف في الحديث، فكان أول من جمع الحديث في مكة ابن جريح البصري المتوفى سنة 150 هـ = 768 ، ومحمد بن إسحاق المتوفى سنة 151 هـ = 769م، في المدينة، ومعمر بن راشد المتوفى سنة 153 هـ = 770 في اليمن، وسعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة 156 هـ = 772م في البصرة، والليث بن سعد المتوفى سنة 175 هـ = 791م في مصر، ومالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ = 795م في المدينة.

وكانت معظم المؤلفات التي وضعها هؤلاء الصفوة الكرام تضم الحديث النبوي وفتاوى الصحابة والتابعين كما هو واضح في كتاب الموطأ للإمام مالك الذي ضم ثلاثة آلاف مسألة وسبعمائة حديث، ثم تلا ذلك قيام بعض الحفاظ بإفراد أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في مؤلفات خاصة بها، فظهرت كتب المسانيد التي جمعت الأحاديث دون فتاوى الصحابة والتابعين، وتجمع الأحاديث التي رواها الصحابي تحت عنوان مستقل يحمل اسمه، ويعد مسند أحمد بن حنبل هو أشهر كتب المسانيد وأوفاها فضلا عن كونه أكبر دواوين السنة.
حتى إذا كان القرن الثالث الهجري نشطت حركة الجمع والنقد وتمييز الصحيح من الضعيف، ومعرفة الرجال ودرجاتهم من الضبط والإتقان وحالهم من الصلاح والتقوى أو الهوى والميل، ولذا ظهرت الكتب التي رأى أئمة الحفاظ أن تجمع الحديث الصحيح فقط وفق شروط صارمة ومناهج محكمة، وكان أول من صنف في الحديث الصحيح الإمام البخاري ثم تبعه مسلم في كتابه صحيح مسلم وهو موضوع حديثنا.

المولد والنشأة
في نيسابور تلك المدينة العريقة التي اشتهرت بازدهار علم الحديث والرواية فيها ولد مسلم بن الحجاج سنة 206 هـ = 821م على أرجح أقوال المؤرخين، ونشأ في أسرة كريمة، وتأدب في بيت علم وفضل، فكان أبوه فيمن يتصدرون حلقات العلم، ولذا عني بتربية ولده وتعليمه، فنشأ شغوفًا بالعلم مجدًا في طلبه محبا للحديث النبوي، فسمع وهو في الثامنة من عمره من مشايخ نيسابور، وكان الإمام يحيى بن بكير التميمي أول شيخ يجلس إليه ويسمع منه، وكانت جلسة مباركة أورثت في قلب الصغير النابه حب الحديث فلم ينفك يطلبه، ويضرب في الأرض ليحظى بسماعه وروايته عن أئمته الأعلام.
وتذكر كتب التراجم والسير أن الإمام مسلم كان يعمل بالتجارة، وكانت له أملاك وضياع مكنته من التفرغ للعلم، والقيام بالرحلات الواسعة إلى الأئمة الأعلام الذين ينتشرون في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي.

رحلاته العلمية وشيوخه
ابتدأ الإمام مسلم رحلاته في طلب العلم، وكان ذلك سنة متبعة بين طلبة العلم، إلى الحجاز، ولم يتجاوز سنه الرابعة عشرة لأداء فريضة الحج، وملاقاة أئمة الحديث والشيوخ الكبار، فسمع في الحجاز من إسماعيل بن أويس، وسعيد بن منصور، ثم تعددت رحلاته إلى البصرة والكوفة وبغداد والري، ومصر، والشام وغيرها ولقي خلال هذه الرحلات عددًا كبيرًا من كبار الحفاظ والمحدثين، تجاوز المائة، كان من بينهم الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث وصاحب صحيح البخاري، وقد لازمه واتصل به وبلغ من حبه له وإجلاله لمنزلته أن قال له: "دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله".

وكان من شيوخه محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل الحديث بخراسان، والحافظ الدارمي أحد الأئمة الحفاظ وصاحب مسند الدارمي، وعبد الله بن مسلمة المعروف بالقعنبي، وأبو زرعة الرازي محدث الري المعروف.

منزلته ومكانته
وقد أتت كل جهوده في طلب العلم ثمارها، وبارك الله له في وقته فحصل من العلم ما لا يجتمع للنابغين حيث رزقه الله ذاكرة لاقطة، وعقلا راجحًا، وفهمًا راسخًا، وقد لفت ذلك أنظار شيوخه، فأثنوا عليه وهو لا يزال صغيرًا غض الإهاب، فتنبأ له شيخه إسحاق بن راهويه في نيسابور حين رأى دأبه وحرصه فقال: أي رجل يكون هذا؟! وعده شيخه محمد بشار من حفاظ الدنيا فيقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة الرازي بالري، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وأثنى عليه أئمة الحديث ونعتوه بأوصاف الإجلال والإكبار، ومن أجمع الأوصاف ما ذكره القاضي عياض بقوله: هو أحد أئمة المسلمين وحفاظ المحدثين، ومتقني المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، وأجمعوا على إمامته وتقدمه وصحة حديثه، وتمييزه وثقته وقبول حديثه.

مؤلفاته
كان الإمام مسلم بن الحجاج من المكثرين في التأليف في الحديث وفي مختلف فنونه رواية ودراية، وصل إلينا منها عدد ليس بالقليل، وهو شاهد على مكانة الرجل في علم الحديث، وهي مكانة لم يصل إليها إلا الأفذاذ من المحدثين أصحاب الجهود المباركة في خدمة السنة، وممن رزقوا سعة الصيت ورزقت مؤلفاتهم الذيوع والانتشار.
ومن مؤلفاته الكنى والأسماء، وطبقات التابعين ورجال عروة بن الزبير، والمنفردات والوجدان، وله كتب مفقودة، منها أولاد الصحابة، والإخوة والأخوات، والأقران، وأوهام المحدثين، وذكر أولاد الحسين، ومشايخ مالك، ومشايخ الثوري ومشايخ شعبة.

صحيح مسلم
غير أن الذي طير اسم مسلم بن الحجاج وأذاع شهرته هو كتابه العظيم المعروف بصحيح مسلم، ولم يعرف العلماء قدر صاحبه ومعرفته الواسعة بفنون الحديث إلا بعد فراغه من تأليف كتابه، وبه عرف واشتهر، يقول النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: "وأبقى له به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين".
وقد بدأ تأليف الكتاب في سن باكرة في بلده نيسابور بعد أن طاف بالبلاد وقابل العلماء وأخذ عنهم، وكان عمره حين بدأ عمله المبارك في هذا الكتاب تسعًا وعشرين سنة، واستغرق منه خمس عشرة سنة حتى أتمه سنة (250 هـ = 864م) على الصورة التي بين أيدينا اليوم.

وقد جمع الإمام مسلم أحاديث كتابه وانتقاها من ثلاث مائة ألف حديث سمعها من شيوخه في خلال رحلاته الطويلة، وهذا العدد الضخم خلص منه إلى 3033 حديثًا من غير تكرار، في حين يصل أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات إلى 7395 بالإضافة إلى عشرة أحاديث ذكرها في مقدمة الكتاب.

وهذه الأحاديث التي انتقاها رتبها ترتيبًا حسنًا، وجعلها سهلة التناول، فرتبها على الأبواب، وجعل كل كتاب يحوي أبوابًا تندرج تحته، وقد بلغت كتب الصحيح حسب ترقيم العالم الجليل محمد فؤاد عبد الباقي 54 كتابًا، تبدأ بكتاب "الإيمان" ويندرج تحته عدة أبواب مثل: باب إن الدين النصيحة، وباب بيان خصال المناق، بيان تحريم الكبر، وتلا كتاب الإيمان كتاب الطهارة، ثم كتاب الحيض، ثم كتاب الصلاة، وينتهي صحيح مسلم بكتاب التفسير وهو الكتاب الرابع والخمسون.

والتزم مسلم بأن جعل لكل حديث موضعًا واحدًا، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوه الحديث وما بين سنده ومتنه من فروق وقد تلقت الأمة بالقبول صحيح مسلم وقرنته بصحيح البخاري، وعدت ما فيهما من الحديث صحيحًا مقطوعًا بصحته، وقارن بعض العلماء بينهما، ومال بعضهم إلى تفضيل صحيح مسلم على نظيره البخاري، لكن الذي نص عليه المحققون من أهل العلم أن صحيح البخاري أفضل من حيث الصحة، وصحيح مسلم أفضل من حيث السهولة واليسر حيث يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد ولا يقطعها في الأبواب مثلما يفعل البخاري.

وقد اعتنى العلماء بصحيح مسلم وخدموه خدمة عظيمة، فوضعوا له عشرات الشروح، ومن أشهر هذه الشروح: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، والمنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي، وإكمال العلم لمحمد بن خليفة المعروف بالأبي، والشروح الثلاثة مطبوعة متداولة.

وامتدت العناية إلى رجال صحيح مسلم، فصنف كثير من العلماء في هذا الاتجاه، مثل كتاب رجال صحيح الإمام مسلم لابن منجويه الأصبهاني، ورجال مسلم بن الحجاج لابن شبرين الأنصاري، وتسمية رجال صحيح مسلم الذين انفرد بهم عن البخاري للذهبي.
وبلغت عناية العلماء بصحيح مسلم أن وضعوا له مختصرات، وجردوه من أسانيد وأحاديثه المكررة، مثل: مختصر صحيح مسلم للقرطبي، والجامع المعلم بمقاصد جامع مسلم للمنذري.

وجمع بعض العلماء بين الصحيحين في كتاب واحد، مثل: الجمع بين الصحيحين للجوزقي، والجمع بين الصحيحين للبغوي، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم للشنقيطي، واللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي.
وقد طبع صحيح مسلم طبعات عديدة منفردًا مرة، ومقرونًا مع شرح له مرة، غير أن أفضل طبعاته هي التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي، ورقم أحاديثها ووضع لها فهارس تفصيلية.

وفاته
ظل الإمام مسلم بن الحجاج بنيسابور يقوم بعقد حلقات العلم التي يؤمها طلابه والمحبون لسماع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر تلاميذه الذين رحلوا إليه أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، وابن خزيمة وأبو بكر محمد بن النضر الجارودي وغيرهم، كما شغل وقته بالتأليف والتصنيف حتى إن الليلة التي توفي فيها كان مشغولا بتحقيق مسألة علمية عرضت له في مجلس مذاكرة، فنهض لبحثها وقضى ليله في البحث، لكنه لقي ربه قبل أن ينبلج الصباح في 25 من رجب 261 هـ = 6 من مايو 875م، وهو في الخامسة والخمسين من عمره، ودفن يوم الإثنين في مقبرته بنصر آباد في نيسابور.

**********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام النسائي صاحب السنن


نسبه ونشأته
هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن.
ولد بنسا في سنة 215هـ وطلب العلم في صغره فارتحل إلى قتيبة في سنة 230هـ فأقام عنده بمدينة بغلان سنة فأكثر عنه، ومن شيوخه إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ويروي عن رفقائه.

مكانته العلمية
كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف رحل في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
حدث عنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وغيرهم كثير.
قال الحافظ ابن طاهر سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه فقلت قد ضعفه النسائي فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم قلت صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.

قال الحاكم كلام النسائي على فقه الحديث كثير ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه، وقال ابن الأثير في أول جامع الأصول كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا قيل إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره عليه قلنسوة وقباء وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ولذلك ما قال حدثنا الحارث وإنما يقول قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.

قال مأمون المصري المحدث خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ من يصبر على ما يصبر عليه النسائي عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة قال فما حدث بها.

مناقبه وفضائله
قال محمد بن المظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.

ثناء العلماء عليه
قال الحافظ أبو علي النيسابوري:الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.
وقال أبو الحسن الدار قطني أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

وقال الدار قطني كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث ولم يحدث عن غير النسائي وقال رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى
قال أبو سعيد ابن يونس في تاريخه كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا.
قال أبو عبد الله بن منده الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.

وفاته
روى أبو عبد الله بن مندة عن حمزة العقبي المصري وغيره أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله فقال لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل قال فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة فتوفي بها كذا قال وصوابه إلى الرملة.
وقال الدار قطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة فقال احملوني إلى مكة فحمل وتوفي بها وهو مدفون بين الصفا والمروة وكانت وفاته في شعبان سنة 303هـ قال وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال.

تراث النسائي
ترك النسائي مجموعة من الكتب أهمها كتاب السنن وهو الذي عرف به وجاء في سير أعلام النبلاء عن كتبه الأخرى " قد صنف مسند علي وكتابا حافلا في الكنى وأما كتاب خصائص علي فهو داخل في سننه الكبير وكذلك كتاب عمل اليوم والليلة وهو مجلد هو من جملة السنن الكبير في بعض النسخ وله كتاب التفسير في مجلد وكتاب الضعفاء وأشياء والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتنى منه انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه وإجازة لفوت له محدد في الأصل.

***********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
ابن ماجه

فتحت قزوين في خلافة عثمان بن عفان، وأصبح البراء بن عازب الصحابي الجليل أول والٍ عليها سنة (24هـ= 644م) ومنذ ذلك الحين دخلها الإسلام، واستوطنها الفاتحون العرب، وتسرب إليها اللسان العربي، وما كاد يطل القرن الثالث الهجري حتى اكتسبت قزوين شهرة كبيرة في فن الحديث، وبرز فيه عدد كبير من المحدثين، مثل: الحافظ علي بن محمد أبي الحسن الطنافسي المتوفى سنة (233هـ= 847م)، والحافظ عمرو بن رافع البجلي المتوفى سنة (237هـ= 851م)، وإسماعيل بن توبة المتوفى سنة (247هـ=861م)، وابن ماجه صاحب السنن موضع حديثنا.
وبلغ من مكانة قزوين واتساع الحركة العلمية فيها أن خصها بعض أبنائها بالتأريخ لها، وترجمة أعيانها وعلمائها، ومن أشهر هذه الكتب: التدوين في أخبار قزوين للحافظ الرافعي المتوفى سنة (622هـ= 1225م).

استقبلت قزوين مولد أبي عبد الله محمد بن يزيد الربعي، المعروف بابن ماجه سنة (209هـ= 824م) وكانت آنذاك حاضرة من حواضر العلم تموج بالحركة والنشاط العلمي، وتزخر بحلقات العلماء والفقهاء، شأنها في ذلك شأن المراكز العلمية الأخرى ذات الإشعاع الحضاري، مثل: بغداد، والكوفة، والبصرة، ومرو، وأصفهان، وكانت الدولة العباسية تعيش أزهى فتراتها قوة وحضارة، وكان المأمون رجل المرحلة، ورائد النهضة ومفجر الطاقات.

في هذا الجو العلمي عاش ابن ماجه حياته الأولى؛ فحفظ القرآن الكريم، وتردد على حلقات المحدثين التي امتلأت بها مساجد قزوين، حتى حصّل قدرًا كبيرًا من الحديث ثم تطلع إلى الرحلة في طلب الحديث، وكانت من تقاليد العصر التي التزمها كبار المحدثين لملاقاة الشيوخ، استنادًا إلى نصوص الحديث التي تحث على طلب العلم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة"، وقد صدّر الإمام البخاري كتاب العلم في صحيحه بباب الخروج في طلب العلم، وجاء في مقدمة الباب: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وبلغ من أهمية الرحلة في طلب الحديث أن وضع فيها مؤلفات تضم الأصول والإرشادات التي على طالب العلم المرتحل أن يتتبعها، ويلتزم بها.

الرحلة في طلب الحديث
ولم يشذ ابن ماجه عن هذا التقليد العلمي المتبع، فخرج سنة (230هـ = 844م) وهو في الثانية والعشرين من عمره في طلب الحديث ومشافهة الشيوخ والتلقي عليهم، فرحل إلى خراسان، والبصرة والكوفة، وبغداد ودمشق، ومكة والمدينة، ومصر، ومن شيوخه إبراهيم بن المنذر تلميذ البخاري المتوفى سنة (236هـ= 850م)، والحافظ الحلواني أبو محمد حسن بن علي بن محمد الخلال، والحافظ الزبير بن بطار، وسلمة بن شبيب، والحافظ يعقوب بن حميد، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وحرملة بن يحيي، وزهير بن حرب.

وبعد رحلة شاقة استغرقت أكثر من خمسة عشر عامًا عاد ابن ماجه إلى قزوين، واستقر بها، منصرفًا إلى التأليف والتصنيف، ورواية الحديث بعد أن طارت شهرته، وقصده الطلاب من كل مكان، من أمثال: إبراهيم بن دينار الجرشي، وإسحاق بن محمد القزويني، وسليمان بن يزيد القزويني، وابن الحسن بن قطان، وأبي بكر حامد الأبهري وغيرهم.

مؤلفاته
كان ابن ماجه موضع ثقة معاصريه وتقديرهم، معدودًا في كبار الأئمة وفحول المحدثين، فيصفه صاحب كتاب التدوين في تاريخ قزوين بأنه "إمام من أئمة المسلمين، كبير متقن، مقبول باتفاق". ويقول عنه الذهبي: "إنه حافظ صدوق واسع العلم". ولم تكن شهادة المؤرخين له بالسبق والتقدم إلا لسعة علمه ولما ترك من كتب ومصنفات، غير أن معظمها قد امتدت إليه يد الإهمال والنسيان، فضاع مع ما ضاع من ذخائر تراثنا العظيم، فكان له تفسير للقرآن وصفه ابن كثير في كتابه البداية بأنه تفسير حافل، وأشار إليه السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"، وله أيضًا كتاب في التاريخ ظل موجودًا بعد وفاته مدة طويلة، فقد شاهده الحافظ ابن طاهر المقدسي المتوفى سنة (507هـ= 1113م)، ورأى عليه تعليقًا بخط جعفر بن إدريس تلميذ ابن ماجه، وقال عنه ابن كثير بأنه تاريخ كامل، ووصفه ابن خلكان بأنه تاريخ مليح.

سنن ابن ماجه
غير أن كتابه "السنن" هو ما بقي من كتبه، وقد طبقت شهرته الآفاق، وبه عرف ابن ماجه، واحتل مكانته المعروفة بين كبار الحفاظ والمحدثين، وقد عد الكتاب رابع كتب السنن المعروفة، وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومتمم للكتب الستة التي تشمل إلى ما سبق صحيح البخاري ومسلم، وهي المراجع الأصول للسنة النبوية.
والمتقدمون من العلماء كانوا يعدون هذه الكتب الأصول خمسة ليس من بينها سنن ابن ماجه، غير أن المتأخرين أدخلوها ضمن الكتب الستة المعتمدة، وأول من جعلها كذلك هو الإمام الحافظ ابن طاهر المقدسي، الذي وضع كتابًا في شروط الأئمة الستة، وآخر في أطراف الكتب الستة، أي في جميع الأحاديث التي تشتمل عليها، وبعد ذلك اتفق معه في الرأي جميع الأئمة.

وكان العلماء قد بحثوا أي المصنفين يكون السادس بين كتب الصحاح: موطأ الإمام مالك أم سنن ابن ماجه، ويجيب على هذا العلامة المحدث عبد الغني النابلسي المتوفى سنة (1143هـ= 1730م)، فيقول في مقدمة كتابه: "ذخائر المواريث في الدلالة على موضع الحديث": "وقد اختُلف في السادس، فعند المشارقة هو كتاب السنن لأبي عبد الله محمد بن ماجه القزويني، وعند المغاربة الموطأ للإمام مالك بن أنس، ولكن عامة المتأخرين اتفقوا على أن سنن ابن ماجه هو أولى من الموطأ، وهو السادس في الصحاح". وقال السخاوي: "وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ".

خصائص سنن ابن ماجه وشروحه
اشتهر الكتاب بدقة تبويبه وكثرتها، فهو يشتمل على مقدمة وسبعة وثلاثين كتابًا، وألف وخمسمائة باب، تضم أربعة آلاف وثلاثمائة وواحدا وأربعين حديثًا، ومن هذه الأحاديث 3002 حديث اشترك معه في تخريجها أصحاب الكتب الخمسة، وانفرد هو بتخريج 1329 حديثًا، وهي الزوائد على ما جاء في الكتب الخمسة، من بينها 428 حديثًا صحيح الإسناد و119 حديثًا حسن الإسناد، وهذا ما أشار إليه ابن حجر بقوله: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة صحيحة".
وقد لقي الكتاب عناية من كبار الحفاظ والمحدثين فأولوه عناية بالشرح، ومن هذا الشروح:
• شرح سنن ابن ماجه، للحافظ علاء الدين مغلطاي، المتوفى سنة (762هـ= 1360م)
• ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة (804هـ- 1401م)، واقتصر فيه على شرح الأحاديث التي انفرد بروايتها ابن ماجه، ولم تدرج في كتب الصحاح الخمسة.
• الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، للشيخ كمال الدين محمد بن مرسي الدبيري، المتوفى سنة (808هـ= 1405م).
• مصباح الزجاجة في شرح سنن ابن ماجه، للجلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (911هـ= 1505م)
• شرح سنن ابن ماجه، للمحدث محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة ( 1138هـ= 1725م)
وقد طبع الكتاب مبكرًا، فكان من أوائل الكتب التي أخرجتها المطابع العربية، فنُشر في الهند بدلهي سنة (1264هـ= 1847م)، وعليه حاشيتان، إحداهما: مصباح الزجاجة للسيوطي، والأخرى: إنجاح الحاجة لمولوي عبد الغني الدهلوي، ثم نشر بالقاهرة سنة (1313هـ= 1895م) وعليه حاشية السندي، وهو شرح مختصر يُعْنى بضبط غريب الألفاظ وبيان الإعراب بصفة خاصة، ثم نشرت السنن وحققها تحقيقا علميا العالم الجليل محمد فؤاد عبد الباقي، ورقّم كتبها وأبوابها وأحاديثها في سنة (1371هـ= 1951م)، وقد صدرت في مجلدين ومزودة بفهارس متعددة تعين الباحث على الوصول إلى الحديث في سهولة ويسر.

وفاة ابن ماجه
أمضى ابن ماجه بقية عمره في قزوين خادمًا للحديث معنيًا بروايته، مقبلا على تلاميذه حتى توفي يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء الموافق (22 من رمضان 273هـ= 20 من نوفمبر 886هـ).
من مصادر الدراسة:
• ابن ماجه ـ سنن ابن ماجه ـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار الحديث ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.
• الذهبي ـ سير أعلام النبلاء ـ تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت .
• ابن خلكان ـ وفيات الأعيان ـ تحقيق إحسان عباس ـ دار صادر ـ بيروت ـ (1398هـ= 1978م)
• المقريزي ـ المقفى الكبير ـ تحقيق محمد اليعلاوي ـ دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ (1411 هـ- 1991م)
• عبد العزيز عزت عبد الجليل ـ الإمام ابن ماجه صاحب السنن ـ مطبوعات مجلة الأزهرـ القاهرة 1410هـ.
• عبد الرحمن عتر ـ معالم السنة النبوية ـ مكتبة المنارـ الأردن ـ (1406هـ= 1986م)

***************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
أبو زرعة الرازى



سيد الحفاظ ‏
وصفه كتاب التراجم والسير بأنه سيد الحفاظ لقوة حفظه التي تميز بها بين أقرانه من أهل الحديث ‏
إنه المحدث الإمام أبو زرعة الرازي الذي يقول عن نفسه: "أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل ‏هو الله أحد (سورة الإخلاص). ‏

نسبه ونشأته
هو الإمام سيد الحفاظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ محدث الري ودخول الزاي في نسبته غير ‏مقيس كالمروزي، ولد سنة 210هـ ‏
بدأ طلب العلم وهو حدث فارتحل من الري وهو ابن ثلاث عشرة سنة وأقام بالكوفة عشرة أشهر ثم رجع ‏إلى الري ثم خرج في رحلته الثانية وغاب عن وطنه أربع عشرة سنة وجلس للتحديث وهو ابن اثنتين ‏وثلاثين سنة وارتحل إلى الحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة وخراسان ليتعلم على عدد من علماء ‏الحديث، ومن شيوخه أحمد بن يونس اليربوعي والحسن بن بشر. ‏
وروي عن ابن مهدي الرازي المعمر قال: هذا الشيخ عندي صدوق فانه قال رأيت أبا زرعة الرازي فقلت ‏له كيف رأيته فقال أسود اللحية نحيف أسمر وهذه صفة أبي زرعة. ‏

قوة حفظه
‏ قال صالح بن محمد جزرة سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن إبراهيم ابن موسى الرازي مائة ألف حديث ‏وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف فقلت له بلغني أنك تحفظ مائة ألف حديث تقدر أن تملي علي ألف ‏حديث من حفظك قال لا ولكن إذا ألقي علي عرفت. ‏
وسئل أبو زرعة عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث فقال: لا، ثم قال أبو ‏زرعة أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد (سورة الإخلاص) وفي المذاكرة ثلاث مائة ‏ألف حديث. ‏
وروي عن محمد بن مسلم قال: كنت عند إسحاق بنيسابور فقال رجل من العراق سمعت أحمد بن حنبل ‏يقول صح من الحديث سبع مائة ألف حديث وكسر وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ ست مائة ألف ‏حديث. ‏

وعن ابن عدي قال:سمعت أبا يعلى الموصلي يقول ما سمعنا بذكر أحد في الحفظ إلا كان اسمه أكبر من ‏رؤيته إلا أبا زرعة الرازي فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ ‏والتفسير كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث. ‏
وقال الحاكم سمعت الفقيه أبا حامد أحمد بن محمد سمعت أبا العباس الثقفي يقول لما انصرف قتيبة بن ‏سعيد إلى الري سألوه أن يحدثهم فامتنع فقال: أحدثكم بعد أن حضر مجلسي أحمد وابن معين وابن المديني ‏وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة قالوا له فإن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به مجلسا مجلسا قم يا أبا ‏زرعة قال فقام فسرد كل ما حدث به قتيبة فحدثهم قتيبة. ‏
وقال سعيد بن عمرو الحافظ سمعت أبا زرعة يقول دخلت البصرة فحضرت سليمان الشاذ كوني يوم الجمعة ‏فروى حديثا فرددت عليه ثم قال حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه عن سعد ابن إبراهيم عن نافع بن جبير قال: ‏‏[لا حلف في الإسلام] فقلت هذا وهم وهم فيه إسحاق بن سليمان وإنما هو سعد عن أبيه عن جبير قال من ‏يقول هذا قلت حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا أبن أبي غنية فغضب ثم قال لي ما تقول فيمن جعل الأذان ‏مكان الإقامة قلت يعيد قال: من قال هذا قلت الشعبي قال من عن الشعبي قلت حدثنا قبيصة عن سفيان عن ‏جابر عن الشعبي قال ومن غير هذا قلت إبراهيم وحدثنا أبو نعيم حدثنا منصور بن أبي الأسود عن مغيرة ‏عنه قال أخطأت قلت حدثنا أبو نعيم حدثنا جعفر الأحمر حدثنا مغيرة قال أخطأت قلت حدثنا أبو نعيم حدثنا ‏أبو كدينة عن مغيرة قال أصبت ثم قال أبو زرعة اشتبه علي وكتبت هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي نعيم فما ‏طالعتها منذ كتبتها ثم قال وأي شيء غير هذا قلت معاذ بن هشام عن أشعث عن الحسن قال هذا سرقته ‏مني وصدق كان ذاكرني به رجل ببغداد فحفظته عنه. ‏

ثناء العلماء عليه
‏ قال أبو بكر الخطيب: كان إماما ربانيا حافظا متقنا مكثرا جالس أحمد بن حنبل وذاكره وحدث عنه. ‏
وقال ابن أبي شيبة ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. ‏
وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: أبو زرعة يشبه بأحمد بن حنبل. ‏
وقال علي بن الحسين بن الجنيد ما رأيت أحدا أعلم بحديث مالك ابن أنس مسندها ومنقطعها من أبي زرعة ‏وكذلك سائر العلوم. ‏
‏ قال ابن أبي حاتم سئل أبي عن أبي زرعة فقال إمام. ‏
‏ قال عمر بن محمد بن إسحاق القطان سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول ما جاوز الجسر ‏أحد أفقه من إسحاق بن راهويه ولا أحفظ من أبي زرعة. ‏
وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس له أصل. ‏
قال ابن أبي حاتم سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة هو وأبو حاتم ‏إماما خراسان. ‏
وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن أحمد سمعت أحمد بن حنبل يدعو الله لأبي زرعة وسمعت عبد الواحد ‏بن غياث يقول ما رأى أبو زرعة مثل نفسه. ‏
ابن عدي سمعت القاسم بن صفوان سمعت أبا حاتم يقول أزهد من رأيت أربعة آدم بن أبي إياس وثابت بن ‏محمد الزاهد وأبو زرعة الرازي وذكر آخر. ‏
‏ قال النسائي: أبو زرعة رازي ثقة. ‏
وقال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الحميد القرشي سمعت عبد الله بن أحمد يقول ذاكرت أبي ليلة الحفاظ فقال ‏يا بني قد كان الحفظ عندنا ثم تحول إلى خراسان إلى هؤلاء الشباب الأربعة قلت من هم قال أبو زرعه ذاك ‏الرازي ومحمد بن إسماعيل ذاك البخاري وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي والحسن بن شجاع ذاك ‏البلخي قلت يا أبه فمن أحفظ هؤلاء قال أما أبو زرعة فأسردهم وأما البخاري فأعرفهم وأما عبد الله يعني ‏الدارمي فأتقنهم وأما ابن شجاع فأجمعهم للأبواب. ‏

مواقف من حياته
‏ قال أبو علي جزرة قال لي أبو زرعة مر بنا إلى سليمان الشاذكوني نذاكره قال فذهبنا فما زال يذاكره حتى ‏عجز الشاذكوني عن حفظه فلما أعياه ألقى عليه حديثا من حديث الرازيين فلم يعرفه أبو زرعة فقال ‏سليمان يا سبحان الله حديث بلدك هذا مخرجه من عندكم وأبو زرعة ساكت والشاذكوني يخجله ويري من ‏حضر أنه قد عجز فلما خرجنا رأيت أبا زرعة قد اغتم ويقول لا أدري من أين جاء بهذا فقلت له وضعه في ‏القوت كي تعجز و تخجل قال هكذا قلت نعم فسري عنه. ‏
‏**** ‏
وروي عن ابن عدي سمعت محمد بن إبراهيم المقرئ سمعت فضلك الصائغ يقول دخلت المدينة فصرت إلى ‏باب أبي مصعب فخرج إلي شيخ مخضب وكنت ناعسا فحركني وقال: من أين أنت أي شيء تنام، قلت: ‏أصلحك الله أنا من الريّ، فقال: تركت أبا زرعة وجئتني لقيت مالكا وغيره فما رأت عيناي مثل أبي زرعة. ‏
قال ودخلت على الربيع بمصر فقال من أين قلت من الري قال تركت أبا زرعة وجئت إن أبا زرعة آية وإن ‏الله إذا جعل إنسانا آية أبانه من شكله حتى لا يكون له ثان ‏
‏*** ‏
وقال أبو نعيم بن عدي سمعت ابن خراش يقول كان بيني وبين أبي زرعة موعد أن أبكر عليه فأذاكره ‏فبكرت فمررت بأبي حاتم وهو قاعد وحده فأجلسني معه يذاكرني حتى أضحى النهار فقلت بيني وبين أبي ‏زرعة موعد فجئت إلى أبي زرعة والناس منكبون عليه فقال لي تأخرت عن الموعد قلت بكرت فمررت ‏بهذا المسترشد فدعاني فرحمته لوحدته وهو أعلى إسنادا منك. ‏
‏*** ‏
وروي عن محمد بن مسلم بن وارة قال: رأيت أبا زرعة في المنام فقلت له ما حالك قال أحمد الله على ‏الأحوال كلها إني حضرت فوقفت بين يدي الله تعالى فقال لي يا عبيد الله لم تذرعت في القول في عبادي ‏قلت يا رب إنهم حاولوا دينك فقال صدقت ثم أتي بطاهر الخلقاني فاستعديت عليه إلى ربي فضرب الحد مائة ‏ثم أمر به إلى الحبس ثم قال ألحقوا عبيد الله بأصحابه وبأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله سفيان ‏ومالك وأحمد بن حنبل. ‏
‏*** ‏
قال أبو الحسن البناني حدثنا محمد بن علي بن الهيثم الفسوي قال لما قدم حمدون البرذعي على أبي زرعة ‏لكتابة الحديث دخل فرأى في داره أواني وفرشا كثيرة وكان ذلك لأخيه قال فهم أن يرجع ولا يكتب فلما كان ‏من الليل رأى كأنه على شط بركة ورأى ظل شخص في الماء فقال أنت الذي زهدت في أبي زرعة أما ‏علمت أن أحمد بن حنبل كان من الأبدال فلما مات أبدل الله مكانه أبا زرعة. ‏
‏*** ‏
وسمعت أبا زرعة يقول إذا انفرد ابن إسحاق بالحديث لا يكون حجة ثم روى له حديث القراءة خلف الإمام ‏وسمعته يقول كان الحوضي وعلي بن الجعد وقبيصة يقدرون على الحفظ يجيؤون بالحديث بتمام وذكر عن ‏قبيصة كأنه يقرأ من كتاب، قلت يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل يبين عليه الورع بخلاف ‏رفيقه أبي حاتم فإنه جراح، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي ومحمد بن الحسين الفقيه وإبراهيم بن عبد ‏الرحمن الشاهد وست القضاة بنت يحيى قراءة قالوا أخبرتنا كريمة بنت عبد الوهاب القرشية أخبرنا أبو ‏الخير محمد بن أحمد بن محمد الباغبان في كتابه أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده ‏أخبرنا أبي أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري حدثنا أبو زرعة الرازي حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ‏حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال كان من دعاء ‏النبي (صلى الله عليه وسلم) اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع ‏سخطك، أخرجه مسلم عن أبي زرعه فوافقناه بعلو درجة.

وفاته
‏ قال أبو جعفر محمد بن علي وراق أبي زرعة حضرنا أبا زرعة وهو يحتضر بماشهران وهو في السوق ‏حدثنا بندار وعنده أبو حاتم وابن وارة والمنذر بن شاذان وغيرهم فذكروا حديث التلقين لقنوا موتاكم لا إله ‏إلا الله واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه فقالوا تعالوا نذكر الحديث فقال ابن وارة حدثنا أبو عاصم حدثنا ‏عبد الحميد بن جعفر عن صالح وجعل يقول ابن أبي ولم يجاوزه وقال أبو حاتم حدثنا بندار حدثنا أبو ‏عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح ولم يجاوز والباقون سكتوا فقال أبو زرعة وهو في السوق ‏حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد عن صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ ابن جبل قال: قال ‏رسول الله (صلى الله عليه وسلم) [من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة وتوفي رحمه الله] ‏
‏ قال أبو الحسين بن المنادي وأبو سعيد بن يونس توفي أبو زرعة الرازي في آخر يوم من سنة أربع ‏وستين ومائتين ومولده كان في سنة مائتين. ‏
وذكر إبراهيم بن حرب العسكري أنه رأى أبا زرعة الرازي بالمنام وهو يؤم الملائكة في السماء الرابعة ‏فقلت بم نلت هذه المنزلة قال برفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه. ‏


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام النووى



الإخلاص
هو صاحب أشهر ثلاثة كتب يكاد لا يخلو منها بيت مسلم وهي " الأربعين النووية " و"الأذكار" و "رياض ‏الصالحين"، وبالرغم من قلة صفحات هذه الكتب وقلة ما بذل فيها من جهد في الجمع والتأليف إلا أنها لاقت ‏هذا الانتشار والقبول الكبيرين بين الناس، وقد عزى كثير من العلماء ذلك، إلى إخلاص النووي رحمه الله، ‏فرب عمل صغير تكبره النية. ‏
فمع سيرة الإمام النووي ومواقف من حياته. ‏

نسَبُه ومَوْلده‎ ‎
هو الإِمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن ‏محمد بن جمعة بن حِزَام، النووي نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، ثم الدمشقي ‏الشافعي، شيخ المذاهب وكبير الفقهاء في زمانه. ‏
ولد النووي رحمه اللّه تعالى في المحرم 631 هـ في قرية نوى من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من ‏عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مرَّ بتلك القرية الشيخ ‏ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيانَ يُكرِهونه على اللعب وهو يهربُ منهم ويبكي لإِكراههم ويقرأ ‏القرآن، فذهب إلى والده ونصحَه أن يفرّغه لطلب العلم، فاستجاب له.

‏ وفي سنة 649 هـ قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكنَ ‏المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق. ‏
وفي عام 651 هـ حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق. ‏

أخلاقُهُ وَصفَاتُه ‏
‎ ‎أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أن النووي كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع،‎ ‎وعديم النظير في مناصحة ‏الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه‎ ‎العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلاً ‏مع هذه الصفات المهمة في حياته‎: ‎
الزهد‎ ‎
‎ ‎تفرَّغَ الإِمام النووي من شهوة‎ ‎الطعام واللباس والزواج، ووجد في لذّة العلم التعويض الكافي عن كل ذلك. ‏والذي يلفت‎ ‎النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلى دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب‎ ‎حيث ‏قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف‎ ‎العيش‎. ‎

الورع‎ ‎
‎ ‎وفي حياته أمثلة كثيرة تدلُّ‎ ‎على ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ‏ذلك قال: إنها‎ ‎كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرّف في ذلك إلا على وجه‎ ‎الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء.ومن‎ ‎جوَّزَها قال: بشرط ‏المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا‎ ‎على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، ‏فكيف تطيب نفسي؟. واختار النزول في المدرسة‎ ‎الرواحيّة على غيرها من المدارس لأنها كانت من بناء ‏بعض التجّار‎. ‎
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ‎ ‎منه فلساً، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق ‏سنة اشترى به ملكاً‎ ‎ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من ‏غيرها‎ ‎شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه‎ ‎ممّن تحقق دينه. ‏وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه‎ ‎القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما ‏يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن‎ ‎فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ‏ذلك شيئاً‎. ‎

مُناصحَتُه‎ ‎الحُكّام ‏
‎ ‎لقد‎ ‎توفرت في النووي صفات‎ ‎العالم الناصح الذي يُجاهد في سبيل اللّه بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر ‏بالمعروف‎ ‎والنهي عن المنكر، فهو مخلصٌ في مناصحته وليس له أيّ غرض خاص أو مصلحة شخصية،‎ ‎وشجاعٌ لا يخشى في اللَّه لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه‎. ‎
وكان الناسُ يرجعون إليه في‎ ‎الملمّات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعى لحلّ مشكلاتهم، كما ‏في قضية‎ ‎الحوطة على بساتين الشام‎: ‎
لما ورد دمشقَ من مصرَ‎ ‎السلطانُ الملكُ الظاهرُ بيبرسُ بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل‎ ‎بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها،‎ ‎أي بحجزها وتكليف ‏واضعي اليد على شيءٍ منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس‎ ‎إلى الشيخ في دار الحديث، فكتب إلى ‏الملك كتاباً جاء فيه "وقد لحق المسلمين بسبب‎ ‎هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير ‏عنها، وطُلب منهم إثباتٌ‎ ‎لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن في يده ‏شيء فهو‎ ‎ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه ولايُكلَّفُ إثباته" فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه‎ ‎وأمر بقطع ‏رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب‎. ‎لما رأى الشيخ أن الكتاب لم ‏يفِدْ، مشى بنفسه إليه وقابله وكلَّمه كلاماً شديداً،‎ ‎وأراد السلطان أن يبطشَ به فصرف اللَّه قلبَه عن ذلك ‏وحمى الشيخَ منه، وأبطلَ‎ ‎السلطانُ أمرَ الحوطة وخلَّصَ اللَّه الناس من شرّها‎. ‎

حَيَاته‎ ‎العلميّة‎ ‎
‏ تميزت حياةُ النووي العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور: الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في ‏أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كلَّ مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدِلُها لذة، وقد كان جادّاً في ‏القراءة والحفظ، وقد حفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع العبادات من المهذب في باقي السنة، ‏واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد ‏الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها. الثاني: سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى ‏جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار عن فترة ‏التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلََّ يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في ‏الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين، وخامساً في صحيح مسلم، ودرساً في اللمع ‏لابن جنّي في النحو، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السكّيت في اللغة، ودرساً في الصرف، ودرساً في ‏أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ‏ودرساً في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط ‏لغة. الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنى بالتأليف وبدأه عام 660 هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك ‏اللّه له في وقته وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةُ ‏العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار، والإِنصافَ في عرض آراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن ‏تحظى باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد. ويذكر الإِسنوي تعليلاً لطيفاً ومعقولاً لغزارة إنتاجه ‏فيقول: اعلم أن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه لمّا تأهل للنظر والتحصيل، رأى أن من المسارعة إلى الخير؛ ‏أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً، وهو ‏غرض صحيح وقصد جميل، ولولا ذلك لما تيسر له من التصانيف ما تيسر له". ‏

شيوخه‎ ‎

من شيوخه في الفقه: ‏
عبد الرحمن‎ ‎بن إبراهيم بن سباع الفزاري، تاج الدين، عُرف بالفِرْكاح، توفي سنة 690 هـ‏‎. 3. ‎إسحاق ‏بن أحمد‎ ‎المغربي، الكمال أبو إبراهيم، محدّث المدرسة الرواحيّة، توفي سنة 650 هـ‏‎. 4. ‎عبد الرحمن ‏بن‎ ‎نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، مفتي دمشق، توفي سنة‏‎ 654 ‎هـ‎. 5. ‎سلاَّر بن الحسن الإِربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، إمام المذهب الشافعي في عصره،‎ ‎توفي سنة ‏‏670 هـ‏‎. ‎

ومن شيوخه في الحديث: ‏
إبراهيم بن‎ ‎عيسى المرادي، الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي، الإِمام الحافظ، توفي سنة 668‏‎ ‎هـ‎. ‎‎2. ‎خالد بن‎ ‎يوسف بن سعد النابلسي، أبو البقاء، زين الدين، الإِمام المفيد المحدّث الحافظ، توفي‎ ‎سنة ‏‏663 هـ‏‎. 3. ‎عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري، الحموي، الشافعي، شيخ الشيوخ، توفي ‏سنة‎ 662 ‎هـ‎. 4. ‎عبد‎ ‎الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي، أبو الفرج، من ‏أئمة‎ ‎الحديث في عصره، توفي سنة 682 هـ‏‎. 5. ‎عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني،‎ ‎أبو ‏الفضائل، عماد الدين، قاضي القضاة، وخطيب دمشق. توفي سنة 662 هـ‏‎. 6. ‎إسماعيل بن أبي‎ ‎إسحاق ‏إبراهيم بن أبي اليُسْر التنوخي، أبو محمد تقي الدين، كبير المحدّثين‏‎ ‎ومسندهم، توفي سنة 672 هـ‏‎. ‎‎7. ‎عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، ثم الدمشقي‎ ‎الحنبلي، المفتي، جمال الدين. توفي سنة 661 ‏هـ‎. 8. ‎ومنهم: الرضي بن البرهان، وزين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي، وجمال‎ ‎الدين أبو ‏زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحرّاني، وأبو الفضل محمد بن محمد بن‎ ‎محمد البكري الحافظ، ‏والضياء بن تمام الحنفي، وشمس الدين بن أبي عمرو، وغيرهم من‎ ‎هذه الطبقة‎. ‎

ومن شيوخه في علم الأصول ‏
أما علم الأصول، فقرأه على جماعة، أشهرهم: عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي، ‏أبو الفتح. توفي سنة 672 هـ. ‏

شيوخه في النحو واللغة ‏
وأما في النحو واللغة، فقرأه على: الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي، أبي العباس، توفي سنة ‏‏664 هـ.والفخر المالكي.والشيخ أحمد بن سالم المصري. ‏

مسموعاته‎ ‎
سمع النسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإِسفراييني، ‏وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنّة للبغوي، ومعالم التنزيل له في ‏التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن ‏السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب البغدادي، وأجزاء كثيرة غير ذلك. ‏

تلاميذه‎ ‎
‏ وكان ممّن أخذ عنه العلم: علاء الدين بن العطار، وشمس الدين بن النقيب، وشمس الدين بن جَعْوان، ‏وشمس الدين بن القمَّاح، والحافظ جمال الدين المزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ورشيد الدين ‏الحنفي، وأبو العباس أحمد بن فَرْح الإِشبيلي، وخلائق. ‏

وَفَاته‎ ‎
‏ وفي سنة 676 هـ رجع إلى نوى بعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم ‏وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوى فمرض ‏بها وتوفي في 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجّت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون ‏أسفاً شديداً، وتوجّه قاضي القضاة عزّ الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه ‏في قبره، ورثاه جماعة، منهم محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإِربلي، وقد اخترت هذه الأبيات من قصيدة ‏بلغت ثلاثة وثلاثين بيتاً: ‏
عزَّ العزاءُ وعمَّ الحــادث الجلــل *** وخاب بالموت في تعميرك الأمل ‏
واستوحشت بعدما كنت الأنيـس لهـا *** وساءَها فقدك الأسحارُ والأصـلُ ‏
وكنت للدين نوراً يُستضاء به مسـدَّد *** منـك فيــه القولُ والعمــلُ ‏
زهدتَ في هــذه الدنيا وزخرفـها *** عزماً وحزماً ومضروب بك المثل ‏
أعرضت عنها احتقاراً غير محتفل *** وأنت بالسعـي في أخـراك محتفل ‏
وهكذا انطوت صفحة من صفحات عَلَمٍ من أعلاَم المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزاً ‏من العلم، لا زال العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من اللَّه تعالى أن تناله رحماته ورضوانه. ‏
رحم اللّه الإِمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء ‏والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم. ‏
ـــــــــــــــ ‏
‏(1) مستقاة بتصرف من مقدمة كتاب الأذكار والمصادر التالية: ‏
‏) طبقات السبكي 8/395ـ 400، وتذكرة الحفاظ 4/1470 ـ 1474، والبداية والنهاية 13/278، ومعجم ‏المؤلفين 13/202، و"الاهتمام بترجمة الإِمام النووي شيخ الإِسلام للسخاوي، والنووي؛ للشيخ علي ‏الطنطاوي والإِمام النووي للشيخ عبد الغني الدقر. والمنهاج السوي في ترجمة محيي الدين النووي ‏للسيوطي. طبعة دار التراث الأولى 1409 هـ تحقيق: د. محمد العيد الخطراوي. ‏

**********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
جلال الدين السيوطي


ولد السيوطي مساء يوم الأحد غرة شهر رجب [849هـ= سبتمبر 1445م] بالقاهرة، واسمه ‏عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وكان سليل أسرة اشتهرت بالعلم ‏والتدين، وكان أبوه من العلماء الصالحين ذوي المكانة العلمية الرفيعة التي جعلت بعض أبناء ‏العلماء والوجهاء يتلقون العلم على يديه. ‏

وقد توفي والد السيوطي ولابنه من العمر ست سنوات، فنشأ الطفل يتيمًا، واتجه إلى حفظ ‏القرآن الكريم، فأتم حفظه وهو دون الثامنة، ثم حفظ بعض الكتب في تلك السن المبكرة مثل ‏العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، فاتسعت مداركه وزادت معارفه. وكان ‏السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه، وتولى بعضهم أمر الوصاية ‏عليه، ومنهم "الكمال بن الهمام الحنفي" أحد كبار فقهاء عصره، وتأثر به الفتى تأثرًا كبيرًا ‏خاصة في ابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة. ‏

شيوخه ‏
عاش السيوطي في عصر كثر فيه العلماء الأعلام الذين نبغوا في علوم الدين على تعدد ‏ميادينها، وتوفروا على علوم اللغة بمختلف فروعها، وأسهموا في ميدان الإبداع الأدبي، فتأثر ‏السيوطي بهذه النخبة الممتازة من كبار العلماء، فابتدأ في طلب العلم سنة [ 864 هـ= 1459م] ‏ودرس الفقه والنحو والفرائض، ولم يمض عامان حتى أجيز بتدريس العربية، وألف في تلك ‏السنة أول كتبه وهو في سن السابعة عشرة، فألف "شرح الاستعاذة والبسملة" فأثنى عليه شيخه ‏‏"علم الدين البلقيني". ‏
وكان منهج السيوطي في الجلوس إلى المشايخ هو أنه يختار شيخًا واحدًا يجلس إليه، فإذا ما ‏توفي انتقل إلى غيره، وكان عمدة شيوخه "محيي الدين الكافيجي" الذي لازمه السيوطي أربعة ‏عشر عامًا كاملة وأخذ منه أغلب علمه، وأطلق عليه لقب "أستاذ الوجود"، ومن شيوخه "شرف ‏الدين المناوي" وأخذ عنه القرآن والفقه، و"تقي الدين الشبلي" وأخذ عنه الحديث أربع سنين فلما ‏مات لزم "الكافيجي" أربعة عشر عامًا وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني، وأخذ ‏العلم ـ أيضًا ـ عن شيخ الحنفية "الأفصرائي" و"العز الحنبلي"، و"المرزباني" "وجلال الدين ‏المحلي" و"تقي الدين الشمني" وغيرهم كثير، حيث أخذ علم الحديث فقط عن ‏(150) شيخًا من النابهين في هذا العلم.

ولم يقتصر تلقي السيوطي على الشيوخ من العلماء الرجال، بل كان له شيوخ من النساء ‏اللاتي بلغن الغاية في العلم، منهن "آسية بنت جار الله بن صالح"، و"كمالية بنت محمد الهاشمية" ‏و "أم هانئ بنت أبي الحسن الهرويني"، و"أم الفضل بنت محمد المقدسي" وغيرهن كثير. ‏

رحلاته ‏
كانت الرحلات وما تزال طريقًا للتعلم، إلا أنها كانت فيما مضى من ألزم الطرق للعالم الذي ‏يريد أن يتبحر في علمه، وكان السيوطي ممن سافر في رحلات علمية ليلتقي بكبار العلماء، ‏فسافر إلى عدد من الأقاليم في مصر كالفيوم ودمياط والمحلة وغيرها، وسافر إلى الشام واليمن ‏والهند والمغرب والتكرور (تشاد حاليًا) ورحل إلى الحجاز وجاور بها سنة كاملة، وشرب من ‏ماء زمزم ليصل في الفقه إلى رتبة سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن ‏حجر العسقلاني. ‏
ولما اكتملت أدوات السيوطي جلس للإفتاء سنة [871 هـ=1466م] وأملى الحديث في العام ‏التالي، وكان واسع العلم غزير المعرفة، يقول عن نفسه: "رُزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير ‏والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع"، بالإضافة إلى أصول الفقه والجدل، ‏والقراءات التي تعلمها بنفسه، والطب، غير أنه لم يقترب من علمي الحساب والمنطق. ‏
ويقول: "وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله ‏تعالى لا فخرًا.. وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر؟!!". ‏
وكانت الحلقات العلمية التي يعقدها السيوطي يقبل عليها الطلاب، فقد عُيّن في أول الأمر ‏مدرسًا للفقه بالشيخونية، وهي المدرسة التي كان يلقي فيها أبوه دروسه من قبل، ثم جلس لإملاء ‏الحديث والإفتاء بجامع ابن طولون، ثم تولى مشيخة الخانقاه البيبرسية التي كانت تمتلئ برجال ‏الصوفية. ‏
وقد نشب خلاف بين السيوطي وهؤلاء المتصوفة، وكاد هؤلاء المتصوفة يقتلون الرجل، ‏حينئذ قرر أن يترك الخانقاه البيبرسية، ويعتزل الناس ومجتمعاتهم ويتفرغ للتأليف والعبادة.

اعتزال السيوطي الحياة العامة ‏
قضى السيوطي فترة غير قصيرة في خصومات مع عدد من علماء عصره، كان ميدانها ‏الحملات الشرسة في النقد اللاذع في الترجمة المتبادلة، ومن خصومه: البرهان الكركي، وأحمد ‏بن محمد القسطلاني، والشمس الجوجري، غير أن أشد خصوماته وأعنفها كانت مع شمس الدين ‏السخاوي، الذي اتهم السيوطي بسرقة بعض مؤلفاته، واغتصاب الكتب القديمة التي لا عهد ‏للناس بها ونسبتها إلى نفسه. ‏
ولم يقف السيوطي مكتوف الأيدي في هذه الحملات، بل دافع عن نفسه بحماسة بالغة وكان ‏من عادته أن يدعم موقفه وقراره بوثيقة ذات طابع أدبي، فألف رسالة في الرد على السخاوي، ‏اسمها "مقامة الكاوي في الرد على السخاوي" نسب إليه فيها تزوير التاريخ، وأكل لحوم العلماء ‏والقضاة ومشايخ الإسلام. ‏
وكان لهذه العلاقة المضطربة بينه وبين بعض علماء عصره، وما تعرض له من اعتداء في ‏الخانقاه البيبرسية أثر في اعتزال الإفتاء والتدريس والحياة العامة ولزوم بيته في روضة ‏المقياس على النيل، وهو في الأربعين من عمره، وألف بمناسبة اعتزاله رسالة أسماها "المقامة ‏اللؤلؤية"، ورسالة "التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس". ‏
وقد تنبه بعض خصوم السيوطي إلى خطئهم فيما صوبوه إلى هذا العالم الجليل من سهام في ‏النقد والتجريح وخصومات ظالمة، فأعلنوا عن خطئهم، وفي مقدمتهم الشيخ القسطلاني الذي ‏أراد أن يسترضي هذا العالم الجليل الذي لزم بيته وعزف عن لقاء الناس، فتوجه إليه حافيًا ‏معتذرًا، غير أن هذا الأمر لم يجعل السيوطي يقطع عزلته ويعود إلى الناس، ولكنه استمر في ‏تفرغه للعبادة والتأليف. ‏

اعتزال السلاطين
عاصر السيوطي (13) سلطانًا مملوكيًا، وكانت علاقته بهم متحفظة، وطابعها العام المقاطعة ‏وإن كان ثمة لقاء بينه وبينهم، وضع نفسه في مكانته التي يستحقها، وسلك معهم سلوك العلماء ‏الأتقياء، فإذا لم يقع سلوكه منهم موقع الرضا قاطعهم وتجاهلهم، فقد ذهب يومًا للقاء السلطان ‏الأشرف قايتباي وعلى رأسه الطيلسان [عمامة طويلة] فعاتبه البعض، فأنشأ رسالة في تبرير ‏سلوكه أطلق عليها "الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان". ‏
وفي سلطنة طومان باي الأول حاول هذا السلطان الفتك بالسيوطي، لكن هذا العالم هجر بيته ‏في جزيرة الروضة واختفى فترة حتى عُزل هذا السلطان. ‏
وكان بعض الأمراء يأتون لزيارته، ويقدمون له الأموال والهدايا النفيسة، فيردها ولا يقبل ‏من أحد شيئا، ورفض مرات عديدة دعوة السلطان لمقابلته، وألف في ذلك كتابًا أسماه "ما وراء ‏الأساطين في عدم التردد على السلاطين". ‏

ريادة ثقافية في عصر العلماء
كان السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن ‏التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير ‏وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع. ‏
وقد أعانه على كثرة تأليفه انقطاعه التام للعمل وهو في سن الأربعين حتى وفاته، وثراء ‏مكتبته وغزارة علمه وكثرة شيوخه ورحلاته، وسرعة كتابته، فقد اتسع عمره التأليفي (45) ‏سنة، حيث بدأ التأليف وهو في السابعة عشرة من عمره، وانقطع له (22) عامًا متواصلة، ولو ‏وُزع عمره على الأوراق التي كتبها لأصاب اليوم الواحد (40) ورقة، على أن القسم الأكبر من ‏تأليفه كان جمعًا وتلخيصًا وتذييلا على مؤلفات غيره، أما نصيبه من الإبداع الذاتي فجِدّ قليل. ‏
وقد تمنى السيوطي أن يكون إمام المائة التاسعة من الهجرة لعلمه الغزير، فيقول: "إني ‏ترجيت من نعم الله وفضله أن أكون المبعوث على هذه المائة، لانفرادي عليها بالتبحر في أنواع ‏العلوم". ‏
وزادت مؤلفات السيوطي على الثلاثمائة كتاب ورسالة، عدّ له بروكلمان (415) مؤلفا، ‏وأحصى له "حاجي خليفة" في كتابه "كشف الظنون" حوالي (576) مؤلفا، ووصل بها البعض ‏كابن إياس إلى (600) مؤلف. ‏

‏ ومن مؤلفاته في علوم القرآن والتفسير: "الاتقان في علوم التفسير"، و"متشابه القرآن"، و" ‏الإكليل في استنباط التنزيل"، و"مفاتح الغيب في التفسير"، و"طبقات المفسرين"، و"الألفية في ‏القراءات العشر". ‏

أما الحديث وعلومه، فكان السيوطي يحفظ مائتي ألف حديث كما روى عن نفسه، وكان ‏مغرما بجمع الحديث واستقصائه لذلك ألف عشرات الكتب في هذا المجال، يشتمل الواحد منها ‏على بضعة أجزاء، وفي أحيان أخرى لا يزيد عن بضع صفحات.. ومن كتبه: "إسعاف المبطأ ‏في رجال الموطأ"، و" تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك"، و" جمع الجوامع"، و" الدرر ‏المنتثرة في الأحاديث المشتهرة"، و" المنتقى من شعب الإيمان للبيهقي"، و"أسماء المدلسين"، ‏و"آداب الفتيا"، و" طبقات الحفاظ".‏

وفي الفقه ألف "الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي"، و"الحاوي في الفتاوي"، و" الجامع ‏في الفرائض" و" تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع".‏

وفي اللغة وعلومها كان له فيها أكثر من مائة كتاب ورسالة منها: "المزهر في اللغة"، ‏و"الأشباه والنظائر في اللغة"، و"الاقتراح في النحو"، و"التوشيح على التوضيح"، و"المهذب فيما ‏ورد في القرآن من المعرب"، و"البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك".‏

وفي ميدان البديع كان له: "عقود الجمان في علم المعاني والبيان"، و"الجمع والتفريق في ‏شرح النظم البديع"، و"فتح الجليل للعبد الذليل".‏

وفي التاريخ والطبقات ألف أكثر من (55) كتابًا ورسالة يأتي في مقدمتها: "حسن المحاضرة ‏في أخبار مصر والقاهرة"، و"تاريخ الخلفاء"، و"الشماريخ في علم التاريخ"، و"تاريخ الملك ‏الأشرف قايتباي"، و"عين الإصابة في معرفة الصحابة"، و"بغية الوعاة في طبقات النحاة"، و"نظم ‏العقيان في أعيان الأعيان"، و"در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة"، و"طبقات الأصوليين".‏

ومن مؤلفاته الأخرى الطريفة: "منهل اللطايف في الكنافة والقطايف"، و"الرحمة في ‏الطب والحكمة"، و"الفارق بين المؤلف والسارق"، و"الفتاش على القشاش"، و"الرد على من أخلد ‏إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض".‏
وقد شاءت إرادة الله أن تحتفظ المكتبة العربية والإسلامية بأغلب تراث الإمام السيوطي، ‏وأن تطبع غالبية كتبه القيمة وينهل من علمه الكثيرون. ‏

تلاميذه ‏
وتلاميذ السيوطي من الكثرة والنجابة بمكان، وأبرزهم "شمس الدين الداودي" صاحب كتاب ‏‏"طبقات المفسرين"، و"شمس الدين بن طولون"، و"شمس الدين الشامي"، محدث الديار المصرية، ‏والمؤرخ الكبير "ابن إياس" صاحب كتاب "بدائع الزهور". ‏

وفاته ‏
توفي الإمام السيوطي في منزله بروضة المقياس على النيل بالقاهرة في [19 جمادى الأولى ‏‏911هـ= 20 أكتوبر 1505 م] ودفن بجواره والده. ‏

المصادر: ‏
‎•‎ جلال الدين السيوطي: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ـ تحقيق ‏محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة ـ الطبعة الأولى 1387 هـ=1967م.‏
‎•‎ مصطفى الشكعة: جلال الدين السيوطي ـ مطبعة الحلبي 1401هـ= 1981م.‏
‎•‎ عبد الحفيظ فرغلي القرني: الحفاظ جلال الدين السيوطي ـ سلسلة أعلام العرب ‏‏(37) ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1990.‏
‎•‎ محمد عبد الله عنان: مؤرخو مصر الإسلامية ـ الهيئة العامة للكتاب ـ "سلسلة ‏مكتبة الأسرة".‏
************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الحافظ ابن حجر رحمه الله

ترجمة الحافظ ابن حجر رحمه الله
صاحب كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام
شيخ الإسلام: أبو الفضل، أحمد بن شيخ الإسلام علاء الدين علي، ‏المعروف: بابن حجر العسقلاني المصري، صاحب: فتح الباري شرح ‏صحيح البخاري، الإمام، العلامة، الحجة، هادي الناس إلى المحجة، له ‏تصانيف على أكف القبول مرفوعة، وآثار حسنة لا مقطوعة ولا ممنوعة.‏

جمع من العلوم والفضائل والحسنات، والكمالات والمبرات، والتصنيفات ‏والتأليفات، مالا يأتي عليه الحصر.‏

كان حافظا، دينا، ورعا، زاهدا، عابدا، مفسرا، شاعرا، فقيها، أصوليا، ‏متكلما، ناقدا، بصيرا، جامعا ، حرر ترجمته جمع من الأعيان، وعدّوه في ‏جملة البالغين إلى درجة الاجتهاد في هذا الشأن، منها: كتاب الجواهر ‏والدرر، في ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر.‏

وتشهد بفضائله، وغزارة علومه، وكثرة فواضله، تآليفه الموجودة بأيدي ‏الناس، وقد رزق السعادة التامة، والإتقان الكبير، والإنصاف الكامل فيها، ‏منها: بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وهو كتاب لو خُطَّ بماء الذهب، وبيع ‏بالأرواح والمهج، لما أدى حقه.‏
ومنها: الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة.‏
وكتاب: تلخيص الحبير، في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.‏
وتعجيل المنفعة في رجال الأربعة، إلى غير ذلك من الرسائل المختصرة، ‏والدفاتر المطولة، - والله يختص برحمته من يشاء -.‏
وهو الإمام، العلامة، حافظ العصر، قاضي القضاة، شيخ الإسلام.‏
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي ليلة السبت المسفر صباحها، في ‏ثامن عشر ذي الحجة، سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، وكان عمره إذ ذاك ‏تسعة وسبعين سنة، وأربعة أشهر، وعشرة أيام، وصلى عليه خلق كثير.‏
وتصانيفه أكثر من أن تحصى، وكلها أتقن من تأليفات السيوطي، وشهرته ‏تغني عن إكثار المدح له، وإطالة ترجمته.‏
أفاده القنوجي رحمه الله في أبجد العلوم.‏
*************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام الصنعاني رحمه الله

صاحب سبل السلام شرح بلوغ المرام
هو السيد، العلامة، بدر الملة النَّيِّر، المؤيَّد بالله: محمد ابن الإمام، المتوكل ‏على الله: إسماعيل بن صلاح، الأمير، الصنعاني، اليمني : الإمام الكبير، ‏المحدث، الأصولي، المتكلم الشهير؛ قرأ كتب الحديث، وبرع فيها؛ وكان ‏إماما في الزهد والورع، يعتقده العامة والخاصة، ويأتونه بالنذور، فيردها ‏ويقول: إن قبولها تقرير لهم على اعتقادهم أنه من الصالحين، وهو يخاف ‏أنه من الهالكين.‏
حكى بعض أولاده: أنه قرأ - وهو يصلي بالناس صلاة الصبح -: (هل أتاك ‏حديث الغاشية)، فبكى وغشي عليه؛ وكان والده: ولي الله بلا نزاع، من ‏أكابر الأئمة وأهل الزهد والورع، استوى عنده الذهب والحجر؛ وخلف ‏أولادا هم أعيان العلماء والحكماء.‏
قال الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي، الشافعي، - في ذخيرة الآمال، في ‏شرح عقد جواهر اللآل -: الإمام، السيد، المجتهد الشهير، المحدث الكبير، ‏السراج المنير: محمد بن إسماعيل، الأمير، مسند الديار، ومجدد الدين في ‏الأقطار، صنف أكثر من مائة مؤلف، وهو لا ينسب إلى مذهب، بل مذهبه: ‏الحديث.‏
قال: أخذ عن علماء الحرمين، واستجاز منهم، وارتبط بأسانيدهم.‏
له مصنفات جليلة ممتعة، تنبئ عن سعة علمه، وغزارة اطلاعه على العلوم ‏النقلية والعقلية، وكان ذا علم كبير، ورياسة عالية، وله في النظم اليد ‏الطولى، بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولم يقلد أحدا من أهل المذاهب، وصار ‏إماما، كاملا، مكملا بنفسه.‏
مصنفاته أزيد من أن تذكر ، منها: (سبل السلام، شرح بلوغ المرام)، ‏و(منحة الغفار، حاشية ضوء النهار)؛ و (إسبال المطر، على قصب السكر) ‏و (جمع التشتيت، في شرح أبيات التثبيت) و(توضيح الأفكار، في شرح ‏تنقيح الأنظار)... إلى غير ذلك من الرسائل والمسائل التي لا تحصى، ‏وكلها فريدة في بابها، خطيبة في محرابها؛ حجَّ وزار، واستفاد من علماء ‏الحرمين الشريفين، وغيرهم من فضلاء الأمصار، فهو أكرم من أن يصفه ‏مثلي، وقفت له على قصائد بديعة، ونظم رائق، وكان له صولة في الصدع ‏بالحق، واتباع السنة، وترك البدعة، لم ير مثله في هذا الأمر.‏
توفي - رحمه الله - في سنة 1182 هـ.‏
أفاده القنوجي رحمه الله في أبجد العلوم.‏
*********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام الشوكاني

عرف الشوكاني - رحمه الله - بنفسه وبآبائه وموطنه والأحداث المهمة في حياته في كتابه (البدر الطالع). ‏

نسبه ونسبته: ‏
هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن، انتسب إلى هجرة‎ ‎شوكان، فقال: (وهذه الهجرة معمورة بأهل ‏الفضل والصلاح والدين من قديم الزمان، لا‎ ‎يخلو وجود عالم منهم في كل زمن‎..). ‎

مولده‎: ‎
ولد رحمه الله يوم الاثنين في الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة،‎ ‎سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف في هجرة شوكان. ‏ولد في بيت أعانه على طلب العلم منذ‎ ‎نعومة أظفاره، فقد حفظ القرآن وجوده، كما حفظ الطثير من المتون ‏والمختصرات في فنون‎ ‎متعددة قبل عهد الطلب‎. ‎

طلبه‎ ‎للعلم‎: ‎
تتلمذ رحمه الله على أجلة شيوخ اليمن، وكان لا يكتفي بدراسة الطتاب،‎ ‎بل يتتبع شيوخه حتى يستفرغ ما عندهم من ‏مادة، كما فعل ب "شرح الأزهار"، حيث قرأه‎ ‎على أربعة من مشايخه‎.
ولم يغادر الشوكاني صنعاء طلباً للعلم، لأسباب ذكرها في‎ ‎البدر الطالع (2/218‏‎).
وتصدر الإفتاء وهو في سن العشرين، وجلس إليه التلاميذ‎ ‎ينهلون من بحر لا تكدره الدلاء، فكانت تبلغ دروسه في ‏اليوم والليلة نحو ثلاثين‎ ‎درساً في فنون شتى‎.
فكان رحمه الله معطاء، ينفق مما رزقه الله من العلم والفهم،‎ ‎لم يحتجب عن طلبة العلم، ولم يمنعه التأليف عن ذلك‎. ‎

شيوخه‎: ‎
عدد الشوكاني رحمه الله ثلاثة عشر شيخاً درس عليهم، وهم‎:
‎1 - ‎والده رحمه الله‎.
‎2 - ‎عبد الرحمن بن قاسم المداني‎.
‎3 - ‎أحمد بن عام‎ ‎رالحدائي‎.
‎4 - ‎أحمد بن محمد الحرازي‎.
‎5 - ‎إسماعيل بن الحسن بن أحمد‎.
‎6 - ‎عبد الله بن إسماعيل الهتمي‎.
‎7 - ‎القاسم بن يحيى الخولاني‎.
‎8 - ‎الحسن بن‎ ‎إسماعيل المغربي‎.
‎9 - ‎عبد القادر بن أحمد‎.
‎10 - ‎هادي بن إسماعيل القاراني‎.
‎11 - ‎عبد الرحمن بن حسن الأكوع‎.
‎12 - ‎علي بن إبراهيم بن علي‎.
‎13 - ‎يحيى‎ ‎بن محمد الحوثي‎. ‎

مؤلفاته‎: ‎
يعد الشوكاني من المكثرين، وقد امتازت مؤلفاته بالأسلوب الماتع،‎ ‎المنصاع للحجة والدليل والبرهان، ومنها‎:
‎1 - ‎نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار‎
‎2 - ‎التحف في مذاهب السلف‎
‎3 - ‎شرح الصدور بتحريم رفع القبور‎
‎4 - ‎الدر‎ ‎النضيد في إخلاص كلمة التوحيد‎
‎5 - ‎إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول‎
‎6 - ‎الدرر البهية‎
‎7 - ‎فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم‎ ‎التفسير‎.
‎8 - ‎السيل الجرار المتدفق من حدائق الأزهار‎.
‎9 - ‎البدر الطالع‎ ‎بمحاسن من بعد القرن السابع‎.
‎10 - ‎نيل الأرب‎
‎11 - ‎الفوائد المجموعة وغيرها‎ ‎كثير‎. ‎

وفاته‎ : ‎
توفاه الله تعالى يوم الأربعاء في السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة‎ ‎خمسين ومائتين وألف من الهجرة، رحمه ‏الله، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجمعنا وإياه في‎ ‎مستقر رحمته‎. ‎

مصادر‎ ‎ترجمته‎: ‎
‎1 - ‎البدر الطالع للشوكاني‎.
‎2 - ‎أبجد العلوم لصديق حسن خان‎.
‎3 - ‎هدية العارفين للبغدادي‎.
‎4 - ‎إيضاح المكنون للبغدادي‎.
‎5 - ‎معجم المؤلفين لعمر‎ ‎رضا كحالة‎.
‎6 - ‎التاج المكلل لصديق حسن خان‎.
‎7 - ‎الرسالة المستطرفة‎ ‎للكتاني‎.
‎8 - ‎فهرس الفهارس للكتاني‎.
‎9 - ‎طبقات فقهاء اليمن‎ ‎للبجلي‎.‎

**************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
ابن سيرين


عُرف محمد بن سيرين بالزهد والورع، وكان محدثًا بارعًا وفقيهًا متمكنًا، وقد اجتمع ‏على حبه أهل زمانه، حيث وجدوا فيه من العلم والحكمة والأدب والزهد والتواضع ما جعله ‏يتربع في أفئدتهم ونفوسهم وعقولهم ويحظى بتلك المنزلة الرفيعة.‏

الميلاد والنشأة
ولد أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري في خلافة عثمان بن عفان رضي الله ‏عنه سنة (33 هـ = 653م)، فهو من التابعين الذين عُرفوا بالزهد والورع، وكان إمام عصره ‏في علوم الدين، وقد اشتهر بالعلم والفقه وتعبير الرؤيا.‏
وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، وهو من سبي "عين التمر"، وقد كاتبه أنس على عشرين ‏ألف درهم، فأداها وعُتِقَ. وكانت أمه صفية مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.‏

شيوخه وتلاميذه
وقد سمع محمد بن سيرين من عدد من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد ‏الله البجلي، وأبو هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وسليمان ‏بن عامر، وأم عطية الأنصارية.‏
كما سمع من عدد من التابعين منهم: عبيدة السلماني، ومسلم بن يسار، وشريح، وقيس بن ‏عباد، وعلقمة، والربيع بن خيثم، ومعبد بن خيثم، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد ‏الرحمن بن أبي بكر، وأخته حفصة بنت أبي بكر، وغيرهم كثيرون.‏
وذكر أنه أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وروى عنه عدد ‏كبير من التابعين، منهم: الشعبي وأيوب، وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.‏

زهده وورعه
كانت حياة ابن سيرين تفيض بالروحانية وتشع بالزهد والورع، فقد كان كثير الصوم ‏والذكر، يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدى ولا يتعشى، ثم يتسحر ‏ويصبح صائمًا.‏
وكان دائم الذكر والدعاء لله ، وكان له سبعة أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيء ‏قرأه في النهار، وكان يحيي الليل في رمضان.‏
روى هشام بن حسان قال: "ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو ‏يصلي،
وكان إذا ذُكر الموت مات كل عضو منه على حِدَتِهِ، وتغيّر لونه واصفر، وكأنه ليس ‏بالذي كان". وقد وصفه الحافظ أبو نعيم في طبقاته بقوله: "كان ذا ورع وأمانة وحيطة وحسانة، ‏كان بالليل بكّاء، وبالنهار بسّامًا سائحًا، يصوم يومًا ويفطر يومًا". وقال عنه بكر بن عبد الله ‏المزني: "من سره أن ينظر إلى أورع أهل زمانه؛ فلينظر إلى محمد بن سيرين، فوالله ما أدركنا ‏من هو أورع منه".‏

قدوة حتى في السجن
وكان ابن سيرين على قدر من الثراء، وكان له ثلاثون ولدًا، ولكنه امتُحن بفقد المال ‏والولد؛ فقد توفي أبناؤه جميعًا فلم يبق منهم غير عبد الله.‏
كما فقد أمواله حينما أصيب بخسارة كبيرة في تجارته، وقد تعرض للسجن، فقد حُبس في ‏دين ركبه لغريمٍ له، فقد كان اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد في زقٍ من هذه الصفقة ‏فأرة، فما كان منه إلا أن صب الزيت كله، ولم يبع شيئًا منه، فقد أبت عليه أمانته وخلقه ‏وورعه أن يطعمه الناس أو يبيعهم إياه؛ حيث ظن أن الفأرة كانت في المعصرة.‏
وقد ضرب ابن سيرين أروع الأمثلة في الأمانة والصدق وحسن الخلق حتى وهو في ‏سجنه، حيث إنه لمّا حبس في دينه، وهو من هو في زهده وورعه وعلمه، وكانت شهرته قد ‏طبقت الآفاق وعرفه الناس وعلموا فضله ومكانته، فقد تعاطف معه سجانه، وأبت عليه مروءته ‏أن يبات هذا العالم الجليل في جنبات السجن، وأن يقضي ليله خلف القضبان كالمجرمين، فقال ‏له: "إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، وإذا أصبحت فتعال"، فما كان من ذلك العالم القدوة إلا أن ‏أجابه بثقة وإيمان: "لا والله لا أعينك على خيانة السلطان".‏
وتجلت أمانته وصدقه في موقف آخر تعرض له وهو في سجنه أيضا؛ فحينما حضرت ‏الوفاة أنس بن مالك أوصى أن يغسّله محمد بن سيرين، فلما أتوه في ذلك قال: "أنا محبوس"! ‏قالوا: قد استأذنّا الأمير فأذن لك. فإذا به يجيبهم بتلك الهمة العالية، والوعي الشديد: "إن الأمير ‏لم يحبسني، وإنما حبسني الذي له الحق"، فلما أذن له صاحب الحق خرج فغسّله.‏

في حياته الخاصة
كان ابن سيرين مثالا صادقًا للمسلم الحق وللخلق الرفيع، وكانت حياته حافلة بالصور ‏الرائعة للأمانة والزهد والبر والتواضع، يقدم في حياته وسلوكه القدوة والنموذج للداعية الواعي ‏والعابد المخلص والصديق الناصح والابن البار والعالم المجتهد والتاجر الأمين.‏
لقد كان بارًا بأمه شديد اللين والتواضع لها، يخفض لها جناح الذل والرحمة حتى لا يُسمع ‏له صوت بحضرتها ولا يكلمها إلا عن ضعف وخضوع، حتى قال عنه بعض آل سيرين: "ما ‏رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه إلا وهو يتضرع".‏
تغلب ابن سيرين على محنته بالصبر والإيمان والتسليم بقضاء الله ، فحينما ركبه الدين لم ‏يقنط ولم ييئس، وإنما كان صابرًا شاكرًا، ووجد في الزهد الدواء لكل داء، ووجد في الذكر ‏والدعاء البرء والشفاء، فخفّف من مطعمه حتى كان أكثر أدمه السمك الصغار، ووصل ليله ‏بنهاره في الصلاة والذكر والدعاء.‏

ثناء العلماء والفقهاء عليه
نال ابن سيرين حب وثناء وتقدير الكثير من العلماء ممن عاصروه وممن جاءوا من ‏بعده، وشهد له كثيرون بالفضل والزهد والورع والعلم والفقه.‏
فقال عنه الخطيب البغدادي في تاريخه: "كان ابن سيرين أحد الفقهاء المذكورين بالورع ‏في وقته". وقال عنه مورق العجلي: "ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من ‏محمد بن سيرين". وقال ابن عون: "كان ابن سيرين من أرجى الناس لهذه الأمة وأشدهم أزرًا ‏على نفسه". وقال عثمان البتي: "لم يكن بهذه البلدة أحد أعلم بالقضاء من محمد بن سيرين". ‏وقال خلف: "كان محمد بن سيرين قد أُعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا فكان الناس إذا رأوه ذكروا ‏الله". وقال يونس بن عبيد: "أما ابن سيرين فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما". ‏وقال سفيان بن عيينة: لم يكن في كوفي ولا بصرى ورع مثل ورع محمد بن سيرين".‏

رواياته من الحديث
روى محمد بن سيرين عددًا من الأحاديث، فقد سمع عن عدد من الصحابة وروى عنهم، ‏ومما أسند ابن سيرين من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ما رواه عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم فإنما أطعمه ‏الله وسقاه" أخرجه البخاري.‏
وروى أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "في يوم الجمعة ‏ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه" أخرجه البخاري. وروى عنه ‏أيضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من هم بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ‏ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ‏وإن عملها كتبت" أخرجه مسلم.. وقد بلغ عدد مروياته في الكتب التسعة (874) حديثًا.‏

آثاره ومؤلفاته
عرف ابن سيرين بالحكمة والزهد، وكان بليغًا فصيحًا في مواعظه، ومن أقواله التي ‏صارت تجري مجرى الأمثال لفصاحتها وبلاغتها، ويسرها: "إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرًا ‏جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه".. "ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره".. ‏‏"الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف".. "لا تكرم أخاك بما يشق عليك".. "العزلة عبادة".‏

تفسير الأحلام
ويعد ابن سيرين الرائد الأول لعلم تفسير الأحلام، وهو أول من أفرد له التصانيف، ‏وجعله علمًا له أدواته وأصوله وقواعده وشروطه.‏
وقد صنف ابن سيرين كتابين يعدان أساسًا لمن صنّف بعده في هذا الفن وهما: تعبير ‏الرؤيا، وتفسير الأحلام الكبير. وقد طبعا مرارًا.‏

منهجه في تفسير الأحلام
أوضح ابن سيرين في مقدمة كتابه "تعبير الرؤيا" شروط تعبير الرؤيا التي يجب أن يكون ‏عليها من يتعرض لهذا الفن، فيقول: "إن الرؤيا لما كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءا من ‏النبوة، لزم أن يكون المعبر عالمًا بكتاب الله ، حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خبيرًا بلسان العرب واشتقاق الألفاظ، عارفًا بهيئات الناس، ضابطًا لأصول التعبير، عفيف ‏النفس، طاهر الأخلاق، صادق اللسان؛ ليوفقه الله لما فيه الصواب ويهديه لمعرفة معارف أولي ‏الألباب".‏
ويرى ابن سيرين أن الرؤيا قد تُعبّر باختلاف أحوال الأزمنة والأوقات، فتارة تعبر من ‏كتاب الله ، وتارة تعبر من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما قد تعبر بالمثل السائر. ‏فأما التأويل من القرآن فكالبيض يُعبّر عنها بالنساء ، لقوله تعالى: "كأنهن بيض مكنون"، ‏وكالحجارة يعبر عنها بالقسوة، لقوله تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد ‏قسوة".‏
وأما التأول من حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) فكالضلع يعبر عنه بالمرأة؛ لأن ‏رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "المرأة خُلقت من ضلع أعوج"، وكالفأرة يعبر عنها ‏بالمرأة الفاسقة لقوله (صلى الله عليه وسلم) "الفأرة فاسقة"، وكالغراب الذي يعبر عنه بالرجل ‏الفاسق؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمّاه فاسقًا.‏

نماذج من تفسير الرؤيا عنده
جعل ابن سيرين لكل رمز من الرموز التي يراها النائم في منامه معنى يدل عليه في ‏سياق الجو الذي يحيط به والملابسات والحوادث التي يظهر من خلالها؛ فمن رأى أنه دخل ‏الجنة، فإنه يدخلها، وهي بشارة له بما تقدم من صالح الأعمال، فإن رأى أنه يأكل ثمارها، أو ‏أعطاها غيره فإن ثمار الجنة كلام طيب، مثل كلام البر والخير بقدر ذلك.‏
أما رؤيا المطر فإنها دليل غيث ورحمة، وكذلك الغمام، فإن كان خاصًا في موضع دار ‏أو محلة دون غيرها كان ذلك أوجاعًا أو أمراضًا، أو خسارة في الدنيا تقع بأهل ذلك الموضع ‏المخصوص بها.‏
ورؤية الحية تأويلها عدو كاتم العداوة مبالغ فيها بقدر عظم الحية وهيبتها في المنظر. ‏والنور في التأويل هداية. والظلمة ضلال. والطريق طريق الحق، والميل عنه ميل إلى الباطل. ‏والأسد عدو متسلط ذو سلطان وبأس شديد. أما الكلب فعدو غير بالغ في عدواته، وقد ينقلب ‏صديقًا، ولكنه دنيء النفس قليل المروءة.‏

وفاته
توفي ابن سيرين بالبصرة في (9 من شوال 110هـ = 15 من يناير 729م) عن عمر ‏بلغ نحو ثمانين عامًا.‏

أهم مصادر الدراسة:‏
‎•‎ تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي- دار الكتب العلمية – ‏بيروت: د.ت. ‏
‎•‎ تهذيب الأسماء واللغات: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي- مكتب ابن ‏تيمية – القاهرة: د.ت. ‏
‎•‎ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني- دار ‏الكتب العلمية – بيروت: 1409 هـ = 1988م. ‏
‎•‎ صفة الصفوة: جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي – تحقيق: محمود فاضوري- ‏دار المعرفة – بيروت: د.ت. ‏
‎•‎ المعارف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري – تحقيق: د. ثروت عكاشة- ‏دار المعارف بمصر – القاهرة: 1389 هـ = 1969م.

*************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
زفر بن هذيل الحنفى



يقسم ابن عابدين الفقيه الحنفي الكبير الفقهاء إلى سبع طبقات، وجعل الطبقة الأولى ‏للمجتهدين في الشرع الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة، وليسوا تابعين في اجتهادهم ‏لأحد، سواء أكان ذلك في الأصول التي يبنى عليها الاستنباط، أم في الفروع الجزئية ‏المستخرجة من الأصول العامة، ومن هؤلاء: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، والشافعي، ‏وأحمد بن حنبل، والأوزاعي. ‏
أما الطبقة الثانية فهي طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد بن الحسن ‏الشيباني وزفر، وغيرهم من القادرين على استخراج الأحكام من أدلتها على حسب القواعد التي ‏قررها أستاذهم وعينها، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدونه في قواعد ‏الأصول. ‏
ويعلق الإمام الجليل محمد أبو زهرة على هذا بقوله: "وهذا الكلام فيه نظر، فإن أبا ‏يوسف ومحمدا وزفر كانوا مستقلين في تفكيرهم الفقهي كل الاستقلال، وما كانوا مقلدين ‏لشيخهم، وكونهم درسوا عليه لا يمنع استقلال تفكيرهم وحرية اجتهادهم، وإن الإنصاف يقتضي ‏أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل مجتهدون مستقلون كشيخهم أبي حنيفة ومن ‏في طبقته من الأئمة الأفذاذ". ‏
ثم تتوالى طبقات الفقهاء من طبقة المجتهدين في المسائل الفقهية التي لا رواية فيها عن ‏صاحب المذهب أو أحد من أصحابه حتى الطبقة الأخيرة وهي طبقة المقلدين. ‏

المولد والنشأة ‏
وُلد زفر بن الهذيل سنة (110 هـ=728م) في العراق، ولا يعرف على وجه الدقة ‏موضع ولادته، وإن رجح بعض الباحثين أن تكون الكوفة هي محل ميلاده. وزفر من أصل ‏عربي عريق في أرومته؛ فأبوه الهذيل بن قيس من أسرة عريقة النسب، كريمة الحسب، تنتسب ‏إلى قبيلة تميم، التي اشتهرت بالفصاحة والبيان. وزفر كلمة عربية تطلق على الرجل الشجاع، ‏كما تطلق على الرجل الجواد. ‏
وكانت أسرة زفر على جانب من سعة الرزق وبحبوحة العيش، وهو ما ساعده على ‏الانصراف إلى طلب العلم دون أن يشغل نفسه بأعباء الحياة، فحفظ القرآن صغيرًا واستقام به ‏لسانه، وتفتحت مواهبه واستعدت لطلب العلم، ومالت نفسه ورغبت في تلقي الحديث النبوي، ‏فتردد على حلقاته واتصل بشيوخه الأبرار، ويأتي في مقدمتهم محدث الكوفة سليمان بن مهران ‏المعروف بالأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن أبي ‏خالد، ومحمد بن إسحاق، وأيوب السختياني. ‏

في أصبهان ‏
وظل زفر ينهل من مناهل العلم حتى ذهب إلى أصبهان مع والده، حيث أقام هناك في ‏خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة (126هـ=744م)، وكان أبوه قد تولى أمر أصبهان ‏بعد مقتل الخليفة الوليد بن عبد الملك، لكنه لم يستمر في ولايته طويلاً. وفي الفترة التي أقامها ‏زفر في أصبهان أخذ عن علمائها ومحدثيها المشهورين حتى أصبح حافظًا متقنًا، وثقة مأمونًا. ‏

ولما رسخت قدمه في السُّنة أقبل عليه طلاب العلم يتعلمون على يديه، ويروون عنه ‏أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومن أشهر هؤلاء: أبو نعيم الأصبهاني، وحسان بن ‏إبراهيم، وأكثم بن محمد، وحسبك أن يكون عبد الله بن المبارك الحافظ الكبير، ووكيع بن ‏الجراح وخالد بن الحارث ممن تتلمذوا على يديه وجلسوا في حلقته. ‏
وكان زفر محدثًا بصيرًا وخبيرًا بفنون الحديث وناقدًا دقيقًا، ويصف أبو نعيم ذلك بقوله: ‏‏"كنت أعرض الحديث على زفر، فيقول هذا ناسخ وهذا منسوخ، وهذا يؤخذ به وهذا يُرفض". ‏وبلغ من سعة علمه وتمكنه من فنون الحديث وقدرته على التمييز بين درجات الحديث من حيث ‏الصحة والضعف أنه كان يقول للحافظ أبي نعيم: "هات أحاديثك أغربلها لك غربلة".

اتصاله بأبي حنيفة ‏
ولما عاد إلى الكوفة وكانت تموج بحلقات العلماء؛ استأنف اتصاله بكبار الأئمة، وانتظم ‏في حلقاتهم، ونهل من علمهم، حتى اتصل بأبي حنيفة النعمان، وكان قد انتهت إليه رئاسة الفقه ‏في العراق، واتسعت شهرته، فلازمه ملازمة لصيقة حتى غلب عليه الفقه وعرف به، فقيل: ‏‏"كان صاحب حديث ثم غلب عليه الفقه". ‏
ويذكر أبو جعفر الطحاوي أن سبب انتقال زفر إلى حلقة أبي حنيفة مسألة فقهية أعيته ‏وأعيت أصحابه من المحدثين، وعجزوا عن حلها، فلما أتى بها إلى أبي حنيفة أجابه إجابة ‏شافية، فكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت بزفر إلى الاشتغال بالفقه والإقبال عليه، فالتزم أبا ‏حنيفة أكثر من عشرين سنة، ووجد فيه الفهم العميق والفكر السديد، ومالت نفسه إليه، وامتلأ ‏قلبه بحب شيخه وتقديره، وكان الإمام الكبير أهلاً لكل إعجاب وتقدير. ‏
ولم يكن تلاميذ أبي حنيفة وأصحابه مثل أي تلاميذ، بل كانوا أئمة في العلم، أفذاذًا في ‏الفهم والإدراك، لم يتركوا شيخهم ليستقلوا بحلقات العلم؛ إجلالاً له وإكبارا لمنزلته، وحسبك أن ‏تعلم مكانتهم في العلم وهم لا يزالون في معية شيخهم ما ذكره الخطيب البغدادي من أن رجلاً ‏قال في حلقة وكيع بن الجراح الحافظ المعروف: "أخطأ أبو حنيفة"، فقال وكيع: "وكيف يقدر أبو ‏حنيفة أن يخطئ ومعه مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر في قياسهم واجتهادهم". ‏
وبلغ من تقدير أبي حنيفة لتلميذه النابه أنه لما حضر حفل زواجه التمس منه زفر أن ‏يخطب، فقال الإمام: "هذا زفر إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم في شرفه وحسبه ‏وعلمه" وكان مبعث هذا التقدير ما لمسه الإمام في تلميذه من ذكاء متقد، وبصيرة نافذة، وتعلق ‏بالعلم، ونهم في طلبه مع ثبات في الحق، ودماثة في الخلق، وورع في الدين، وإخلاص في ‏العمل، وكان هذا بعض صفات الإمام. ‏
وقابل زفر هذا التقدير من شيخه أن دافع عنه أمام خصومه، وكان يقول: "لا تلتفتوا إلى ‏كلام المخالفين، فإنه ما قال إلا من الكتاب أو السنة، أو أقاويل الصحابة، ثم قاس عليها"، ولم ‏يكتف بالقول بل قرنه بالعمل فرحل إلى البصرة لينشر مذهب شيخه بما أوتي من حكمة وفهم ‏وسعة صدر ورحابة أفق، حتى غدا شيخ البصرة بلا منازع. ‏

خليفة أبي حنيفة ‏
تُوفِّي أبو حنيفة النعمان سنة (150هـ=767م) وخلفه في حلقته زفر بن الهذيل بإجماع ‏تلامذة الإمام دون معارضة، فمكانته لا يملؤها إلا من هو جدير بها علمًا وفضلاً، وليس في ‏المكان مغنمة يسطو عليه القوي وإن كان غير مستحق، وإنما مكان الإمام مسئولية جسيمة ‏ينصرف عنها أفذاذ العلماء لمكانة صاحبها السابق في العلم والفقه. ‏
وكان تلاميذ أبي حنيفة يعرفون منزلة زميلهم عند شيخهم، فيقول الحسن بن زياد: "إن ‏المقدم في مجلس الإمام كان زفر، وقلوب الأصحاب إليه أميل"، ولهذا اتجهت إليه الأنظار ليحل ‏محل الإمام الراحل، فقام بهذه المهمة على خير وجه، وقصده الطلاب والعلماء، وامتلأت حلقته ‏بهم، يجذبهم بطريقته الآسرة في الإلقاء، وعرض المسائل باختصار دون إخلال، وإيراد الأدلة ‏دون حشو وتطويل. ويصف خالد بن صبيح حلقة زفر فيقول: "رحلت إلى أبي حنيفة، فنعي إليَّ ‏في الطريق، فدخلت مجلس الكوفة، فإذا الناس كلهم على زفر بن الهذيل، وعند أبي يوسف ‏رجلان أو ثلاثة". ‏
وكان يشهد حلقته وكيع بن الجراح وهو من أئمة الحديث، ويقول: "ما نفعني مجالسة أحد ‏مثل ما نفعني مجالسة زفر". ولما قيل له: لم تختلف إلى زفر؟ فقال: "غررتمونا عن الإمام –‏أبي حنيفة- حتى مات، فتريدون أن تغرونا عنه وتبعدونا عن الانتفاع بعلم زفر حتى يموت". ‏ويبلغ إعجاب وكيع بزفر أن قال: "الحمد لله الذي جعلك خلفًا لنا عن الإمام".

اجتهاده ‏
لم تكن منزلة زفر بن الهذيل منزلة المقلد المتبع، بل منزلة المجتهد المتبع عن بينة ‏ودليل، وفهم ودراية، وكان هو آية في الفهم، بارعا في القياس، ولم ينافسه فيه أحد من أصحاب ‏أبي حنيفة، ويتفق زفر مع شيخه في الأصول الكلية، وقد ارتضاها عن فهم واجتهاد، لا عن ‏اتباع وتقليد، والأدلة التي أقام عليها زفر في استنباطه الفقهي هي نفسها أدلة المذهب الحنفي ‏وهي القرآن والسنة وأقوال الصحابة إن وجدت، فإن لم توجد عمد إلى إعمال الرأي من قياس ‏واستحسان، وكان يقول: "إنما نأخذ بالرأي ما لم يوجد الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا ‏بالأثر". ‏
وكان زفر يدقق النظر ويعمل الفكر ولا يقف على ظواهر النصوص، بل يتغلغل إلى ‏فحواها وأعمق معانيها، حتى بلغ في الاستنباط بالقياس مرحلة عالية جعلته موضع إعجاب ‏الإمام، فشهد له بأنه أكثر تلامذته استعمالاً للقياس، وأشدهم تمسكًا به؛ ولذا اشتهر به كاشتهار ‏شيخه أبي حنيفة في استعمال القياس. ‏
وأدى استعماله القياس بكثرة إلى تضخم مادته الفقهية وثرائها وغزارتها، واتساع مسائلها، ‏وكانت طريقته أن يجتهد في المسألة المعروضة عليه، باحثًا عن حكمها من حكم مسألة ‏منصوص عليها، ولم يكتف بإيجاد هذا الحكم لهذه المسألة، وإنما كان يتوسع في الاستنباط ‏بفرض الفروض، ووضع المسائل التي لم تقع بعد، ويتصور وقوعها، شأنه في ذلك شأن أبي ‏حنيفة الذي توسع في الفقه التقديري، ثم ينقل حكم المسألة الأولى إلى تلك المسائل التي ‏افترضها والمناظرة لها، وبهذا تكون العلة التي هي الموجِب في وجود الحكم عامة، لكي يمكن ‏أن يندرج تحتها ما افترضه من المسائل المشابهة. ‏
وساعده على القيام بالقياس ملكات عقلية خاصة، وفهم عميق لنصوص الشرع، وأكسبه ‏ذلك شخصية مستقلة ذات فقه متميز السمات، يختلف أحيانًا مع أئمة المذهب الحنفي في ‏الأصول والفروع، ولا يقل الاختلاف معهم عن الاختلاف الحاصل بين المذهب الحنفي وغيره. ‏

إنتاجه الفقهي ‏
على الرغم من سعة علم زفر وقدرته الفائقة على القياس فإنه لم يسهم في التأليف مثل ‏زميليه العظيمين: أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولعل ذلك يرجع إلى انشغاله بنشر المذهب ‏والدفاع عنه، واشتغاله بالإفتاء والتدريس في حياة أبي حنيفة وبعد مماته، كما أن حياته القصيرة ‏لم تمكنه من الانصراف إلى التأليف؛ لأنه توفي بعد شيخه بثماني سنوات. ‏
غير أن آراءه الفقهية مبثوثة في كتب كثيرة عن أمهات الكتب الحنفي، مثل: المبسوط ‏للسرخسي، وبدائع الصنائع للكاساني، وكشف الأسرار للبزدوي، وتأسيس النظر للدبوسي ‏وغيرها من الكتب التي تُعنى بمسائل الخلاف. ‏
ولزفر سبع عشرة مسألة يُفتى بها في المذهب في أبواب متنوعة، ألّف فيها السيد "أحمد ‏الحموي" قصيدة سماها: "عقود الدرر فيما يفتى به في المذهب من أقوال زفر"، وقد شرحها ‏الشيخ "عبد الغني النابلسي" بعنوان: "نقود الصرر شرح عقود الدرر". ‏
وخلاصة القول أن زفر كان من أعلام الفقه، أسدى إلى الفقه الحنفي خدمات جليلة وأسهم ‏في تطويره في حياة الإمام أبي حنيفة وبعد وفاته، وترك ثروة فقهية هائلة خالف في معظمها ‏شيخه وأصحابه، وانفرد بها عنهم. ‏
وأجمع معاصروه على أنه كان من بحور الفقه وأذكياء الوقت، وممن جمع بين العلم ‏والعلم. ويقول عنه الفضل بن دكين: "لما مات الإمام لزمته؛ لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم، ‏فأخذت الحظ الأوفر منه"، وشهد له علماء البصرة حين حل عليهم بالفقه الواسع والعلم الغزير ‏فقالوا: "ما رأينا مثل زفر في الفقه، هو أعلم الناس". ‏
وللشافعي كلمة مأثورة عن أبي حنيفة وأصحابه، قال: "من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا ‏حنيفة وأصحابه، فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه". ولهذا انتشر الفقه الحنفي انتشارًا واسعًا ‏بفضل زفر وإخوانه من تلاميذ الإمام. ‏

وفاته ‏
أقام زفر في البصرة، وعقد حلقته العلمية التي تسابق طلاب العلم إلى حضورها، والتزود ‏من فقه الأستاذ النابه، لم يشغله عن التدريس ولقاء تلاميذه شاغل، فرفض منصب القضاء حين ‏عُرض عليه، فلم يكن ممن تغرهم المناصب أو تبهرهم مظاهر الدنيا، وظل منقطعًا إلى العلم، ‏وكان مجلسه آية في الجلال يتصدر الحلقة بوجه باش ونفس مطمئنة، ينثال العلم منه انثيالاً، ‏وطلابه مقبلون عليه في وقار العلم. ولم تطل به الحياة، فتوفي شابًا في الثامنة والأربعين في ‏أحد أيام شهر شعبان من سنة (158هـ=775م). ‏


من مصادر البحث: ‏
‎•‎ ابن أبي الوفاء القرشي: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية – تحقيق عبد ‏الفتاح محمد الحلو – مكتبة عيسى البابي الحلبي – القاهرة – (1399هـ=1979م). ‏
‎•‎ تقي الدين بن عبد القادر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية – تحقيق عبد الفتاح ‏محمد الحلو – دار الرفاعي – الرياض – (1410هـ=1989م). ‏
‎•‎ الذهبي: سير أعلام النبلاء – تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين – مؤسسة ‏الرسالة – بيروت (1410هـ=1990م). ‏
‎•‎ عبد الستار حامد: الإمام زفر بن الهذيل أصوله وفقهه – وزارة الأوقاف – ‏بغداد – (1402هـ=1982م). ‏
‎•‎ محمد أبو زهرة: أبو حنيفة حياته وعصره – دار الفكر العربي – القاهرة – ‏‏1997م. ‏
************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
القاضى عياض



‏"مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة؛ فهم حملة الشريعة وعلومها التي يبثُّونها ‏في صدور الرجال بالتلقين والتأليف، ذَبُّوا عن الشريعة بسيوف علومهم؛ فبقيت علومهم خالدة ‏تالدة إلى الأبد، وكم من ولي لله كان معهم وبعدهم بكثير، كان لهم تلاميذ وأوراد، وانقطعت تلك ‏الأوراد وباد المريدون بمرور الأزمان، وأئمة العلم ما زالوا بعلومهم كأنهم أحياء.." هذا الكلام ‏النفيس من بيان أبي عبد الله محمد الأمين في كتابه "المجد الطارف والتالد"، يصف مكانة ‏القاضي عياض العلمية، وقدره الرفيع بين علماء الإسلام، وليس في كلام الشيخ مبالغة أو ‏تزويد؛ فقد حقق القاضي عياض شهرة واسعة حتى قيل: لولا عياض لما عُرف المغرب، ‏وكأنهم يعنون –في جملة ما يعنون- أنه أول من لفت نظر علماء المشرق إلى علماء المغرب ‏حتى أواسط القرن السادس الهجري.‏


المولد والنشأة
يعود نسب القاضي "عياض بن موسى اليحصبي" إلى إحدى قبائل اليمن العربية ‏القحطانية، وكان أسلافه قد نزلوا مدينة "بسطة" الأندلسية من نواحي "غرناطة" واستقروا بها، ثم ‏انتقلوا إلى مدينة "فاس" المغربية، ثم غادرها جده "عمرون" إلى مدينة "سبتة" حوالي سنة (373 ‏هـ = 893م)، واشتهرت أسرته بـ"سبتة"؛ لما عُرف عنها من تقوى وصلاح، وشهدت هذه ‏المدينة مولد عياض في (15 من شعبان 476هـ = 28 من ديسمبر 1083م)، ونشأ بها وتعلم، ‏وتتلمذ على شيوخها.‏

الرحلة في طلب العلم
رحل عياض إلى الأندلس سنة (507هـ = 1113م) طلبًا لسماع الحديث وتحقيق ‏الروايات، وطاف بحواضر الأندلس التي كانت تفخر بشيوخها وأعلامها في الفقه والحديث؛ ‏فنزل قرطبة أول ما نزل، وأخذ عن شيوخها المعروفين كـ"ابن عتاب"، و"ابن الحاج"، و"ابن ‏رشد"، و"أبي الحسين بن سراج" وغيرهم، ثم رحل إلى "مرسية" سنة (508هـ = 1114م)، ‏والتقى بأبي علي الحسين بن محمد الصدفي، وكان حافظًا متقنًا حجة في عصره، فلازمه، ‏وسمع عليه الصحيحين البخاري ومسلم، وأجازه بجميع مروياته.‏
اكتفى عياض بما حصله في رحلته إلى الأندلس، ولم يلبث أن رحل إلى المشرق مثلما ‏يفعل غيره من طلاب العلم، وفي هذا إشارة إلى ازدهار الحركة العلمية في الأندلس وظهور ‏عدد كبير من علمائها في ميادين الثقافة العربية والإسلامية، يناظرون في سعة علمهم ونبوغهم ‏علماء المشرق المعروفين.‏
عاد عياض إلى "سبتة" غزير العلم، جامعًا معارف واسعة؛ فاتجهت إليه الأنظار، والتفَّ ‏حوله طلاب العلم وطلاب الفتوى، وكانت عودته في (7 من جمادى الآخرة 508هـ = 9 من ‏أكتوبر 1114م)، وجلس للتدريس وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ثم تقلد منصب القضاء ‏في "سبتة" سنة (515 هـ = 1121م) وظل في منصبه ستة عشر عامًا، كان موضع تقدير ‏الناس وإجلالهم له، ثم تولى قضاء "غرناطة" سنة (531هـ = 1136م) وأقام بها مدة، ثم عاد ‏إلى "سبتة" مرة أخرى ليتولى قضاءها سنة (539هـ = 1144م).‏

القاضي عياض محدثًا
كانت حياة القاضي عياض موزعة بين القضاء والإقراء والتأليف، غير أن الذي أذاع ‏شهرته، وخلَّد ذكره هو مصنفاته التي بوَّأَتْه مكانة رفيعة بين كبار الأئمة في تاريخ الإسلام، ‏وحسبك مؤلفاته التي تشهد على سعة العلم وإتقان الحفظ، وجودة الفكر، والتبحر في فنون ‏مختلفة من العلم.‏
وكان القاضي عياض في علم الحديث الفذَّ في الحفظ والرواية والدراية، العارف بطرقه، ‏الحافظ لرجاله، البصير بحالهم؛ ولكي ينال هذه المكانة المرموقة كان سعيه الحثيث في سماع ‏الحديث من رجاله المعروفين والرحلة في طلبه، حتى تحقق له من علو الإسناد والضبط ‏والإتقان ما لم يتحقق إلا للجهابذة من المحدِّثين، وكان منهج عياض في الرواية يقوم على ‏التحقيق والتدقيق وتوثيق المتن، وهو يعد النقل والرواية الأصل في إثبات صحة الحديث، ‏وتشدد في قضية النقد لمتن الحديث ولفظه، وتأويل لفظه أو روايته بالمعنى، وما يجره ذلك من ‏أبواب الخلاف.‏
وطالب المحدث أن ينقل الحديث مثلما سمعه ورواه، وأنه إذا انتقد ما سمعه فإنه يجب ‏عليه إيراد ما سمعه مع التنبيه على ما فيه؛ أي أنه يروي الحديث كما سمعه مع بيان ما يَعِنُّ له ‏من تصويب فيه، دون قطع برأي يؤدي إلى الجرأة على الحديث، ويفتح بابًا للتهجم قد يحمل ‏صاحبه على التعبير والتصرف في الحديث بالرأي.‏
وألَّف القاضي في شرح الحديث ثلاثة كتب هي: "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" ‏وهو من أدَلِّ الكتب على سعة ثقافة عياض في علم الحديث وقدرته على الضبط والفهم، والتنبيه ‏على مواطن الخطأ والوهم والزلل والتصحيف، وقد ضبط عياض في هذا الكتاب ما التبس أو ‏أشكل من ألفاظ الحديث الذي ورد في الصحيحين وموطأ مالك، وشرح ما غمض في الكتب ‏الثلاثة من ألفاظ، وحرَّر ما وقع فيه الاختلاف، أو تصرف فيه الرواة بالخطأ والتوهم في السند ‏والمتن، ثم رتَّب هذه الكلمات التي عرض لها على ترتيب حروف المعجم.‏
أما الكتابان الآخران فهما "إكمال المعلم" شرح فيه صحيح مسلم، و"بغية الرائد لما في ‏حديث أم زرع من الفوائد".‏
وله في علم الحديث كتاب عظيم هو " الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع"‏
‏... فقيهًا
درس القاضي عياض على شيوخه بـ"سبتة" المدونة لابن سحنون، وهو مؤلَّف يدور عليه ‏الفقه المالكي، ويُعَدُّ مرجعَهُ الأول بلا منازع، وقد كُتبت عليه الشروح والمختصرات ‏والحواشي، غير أن المدونة لم تكن حسنة التبويب؛ حيث تتداخل فيها المسائل المختلفة في الباب ‏الواحد، وتعاني من عدم إحكام وضع الآثار مع المسائل الفقهية.‏
وقد لاحظ القاضي عياض هذا عند دراسته "المدونة" على أكثر من شيخ؛ فنهض إلى عمل ‏عظيم، فحرَّر رواياتها، وسمى رواتها، وشرح غامضها، وضبط ألفاظها، وذلك في كتابه ‏‏"التنبيهات المستنبَطة على الكتب المدونة والمختلطة" ولا شكَّ أن قيام القاضي عياض بمثل هذا ‏العمل يُعد خطوة مهمة في سبيل ضبط المذهب المالكي وازدهاره.‏

القاضي عياض مؤرخًا
ودخل القاضي ميدان التاريخ من باب الفقه والحديث، فألَّف كتابه المعروف " تدريب ‏المدارك"، وهو يُعَدُّ أكبر موسوعة تتناول ترجمة رجال المذهب المالكي ورواة "الموطأ" ‏وعلمائه، وقد استهلَّ الكتاب ببيان فضل علم أهل المدينة، ودافع عن نظرية المالكية في الأخذ ‏بعمل أهل المدينة، باعتباره عندهم من أصول التشريع، وحاول ترجيح مذهبه على سائر ‏المذاهب، ثم شرع في الترجمة للإمام مالك وأصحابه وتلاميذه، وهو يعتمد في كتابه على نظام ‏الطبقات دون اعتبار للترتيب الألفبائي؛ حيث أورد بعد ترجمة الإمام مالك ترجمة أصحابه، ثم ‏أتباعهم طبقة طبقة حتى وصل إلى شيوخه الذين عاصرهم وتلقى على أيديهم.‏
والتزم في طبقاته التوزيع الجغرافي لمن يترجم لهم، وخصص لكل بلد عنوانًا يدرج تحته ‏علماءه من المالكية؛ فخصص للمدينة ومصر والشام والعراق عناوين خاصة بها، وإن كان ‏ملتزما بنظام الطبقات.‏
وأفرد لعلمائه وشيوخه الذين التقى بهم في رحلته كتابه المعروف باسم "الغُنية"، ترجم لهم ‏فيه، وتناول حياتهم ومؤلفاتهم وما لهم من مكانة ومنزله وتأثير، كما أفرد مكانا لشيخه القاضي ‏أبي على الحسين الصدفي في كتابه "المعجم" تعرض فيه لشيخه وأخباره وشيوخه، وكان ‏‏"الصدفي" عالمًا عظيما اتسعت مروياته، وصار حلقة وصل بين سلاسل الإسناد لعلماء المشرق ‏والمغرب؛ لكثرة ما قابل من العلماء، وروى عنهم، واستُجيز منهم.‏

... أديبًا


وكان القاضي أديبًا كبيرًا إلى جانب كونه محدثًا فقيهًا، له بيان قوي وأسلوب بليغ، يشف ‏عن ثقافة لغوية متمكنة وبصر بالعربية وفنونها، ولم يكن ذلك غريبًا عليه؛ فقد كان حريصًا ‏على دراسة كتب اللغة والأدب حرصه على تلقي الحديث والفقه، فقرأ أمهات كتب الأدب، ‏ورواها بالإسناد عن شيوخه مثلما فعل مع كتب الحديث والآثار، فدرس "الكامل" للمبرد و"أدب ‏الكاتب" لابن قتيبة، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، و"ديوان الحماسة"، و"الأمالي" لأبي علي ‏القالي.‏
وكان لهذه الدراسة أثرها فيما كتب وأنشأ، وطبعت أسلوبه بجمال اللفظ، وإحكام العبارة، ‏وقوة السبك، ودقة التعبير.‏
وللقاضي شعر دوَّنته الكتب التي ترجمت له، ويدور حول النسيب والتشوق إلى زيارة ‏النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمعروف أن حياته العلمية وانشغاله بالقضاء صرفه عن أداء ‏فريضة الحج، ومن شعره الذي يعبر عن شوقه ولوعته الوجدانية ولهفته إلى زيارة النبي (صلى ‏الله عليه وسلم):‏
بشراك بشراك فقد لاحت قبابهم
فانزل فقد نلت ما تهوى وتختار
هذا المحصب، هذا الخيف خيف منى
هذي منازلهم هذي هي الدار
هذا الذي وخذت شوقًا له الإبل
هذا الحبيب الذي ما منه لي بدل
هذا الذي ما رأتْ عين ولا سمعت
أذْنٌ بأكرمَ من كَفِّهِ إن سألوا‏
ولا يمكن لأحد أن يغفل كتابه العظيم "الشفا بأحوال المصطفى" الذي تناول فيه سيرة النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم)، وقصد من كتابه إحاطة الذات النبوية بكل ما يليق بها من العصمة ‏والتفرد والتميز عن سائر البشر، في الوقت الذي كانت فيه آراء جانحة تخوض في مسألة ‏النبوة، وتسوِّي بين العقل والوحي. ولما كان النص الشرعي مصدرًا أساسيًا للمعرفة وأصلا لا ‏يحتمل النزاع فيه متى ثبت بالسند الصحيح، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) مصدر هذه ‏المعرفة، فقد انبرى القاضي عياض ببيان مقام النبوة وصيانته من كل ما لا يليق به.‏

وفاته
عاش القاضي عياض الشطر الأكبر من حياته في ظل دولة "المرابطين"، التي كانت تدعم ‏المذهب المالكي، وتكرم علماءه، وتوليهم مناصب القيادة والتوجيه، فلما حلَّ بها الضعف ودبَّ ‏فيها الوهن ظهرت دولة "الموحدين"، وقامت على أنقاض المرابطين، وكانت دولة تقوم على ‏أساس دعوة دينية، وتهدف إلى تحرير الفكر من جمود الفقهاء والعودة إلى القرآن والسنة بدلاً ‏من الانشغال بالفروع الفقهية، وكان من الطبيعي أن يصطدم القاضي عياض -بتكوينه الثقافي ‏ومذهبه الفقهي- مع الدولة القادمة، بل قاد أهل "سبتة" للثورة عليها، لكنها لم تفلح، واضطر ‏القاضي أن يبايع زعيم "الموحدين" عبد المؤمن بن علي الكومي.‏
ولم تطُلْ به الحياة في عهد "الموحدين"، فتوفي في (9 من جمادى الآخرة 544 هـ = 14 ‏من أكتوبر 1149م)‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ ابن بشكوال: كتاب الصلة ـ الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ القاهرة ـ ‏‏1966م.‏
‎•‎ القاضي عياض: ترتيب المدارك ـ تحقيق أحمد بكير محمود ـ مكتبة الحياة ـ ‏بيروت ـ بدون تاريخ.‏
‎•‎ محمد الكتاني: القاضي عياض، الشخصية والدور الثقافي ـ مجلة الدارة ـ ‏العدد الرابع ـ السنة السادسة عشر ـ 1411‏


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام الشاطبى



منذ أن أشرق على أرض الكنانة نور الإسلام والمصريون يعنون بالقرآن الكريم، حيث ‏أقبلوا عليه يتلقونه من أفواه الصحابة الكرام، وامتلأت مساجدهم بحلقات القراءة والترتيل، يقوم ‏عليها الصحابة وكبار التابعين، ويؤمها الراغبون في القراءة والتجويد، ثم تطلعت همة كثير من ‏المصريين إلى الرحلة في طلب قراءات الذكر الحكيم، فقصدوا مدينة رسول الله (صلى الله عليه ‏وسلم)، حيث عالمها الفذ الإمام "نافع بن عبد الرحمن" الذي طبقت شهرته في قراءات القرآن ‏العالم الإسلامي حتى وفاته سنة (169هـ=785م).‏
وكان من تلاميذ الإمام نافع من المصريين: "عثمان بن سعيد" المعروف بـ "ورش" ‏المتوفى سنة (197 هـ=812م) وعرف بتمكنه من العربية، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار ‏المصرية، وقصده الناس من كل مكان يتلقون عنه، وحمل عنه قراءته أهل المغرب، وهي ‏القراءة التي لا يزالون حتى الآن يقرءون بها، كما انتشرت في بلاد الأندلس.‏
ومنذ ذلك الحين ومصر لا تخلو في كل عصر من أئمة القراءات، حتى إن السيوطي ‏أحصى 135 عالمًا ممن تصدروا حلقات القراءات حتى زمانه، ولا شك أن هناك أعدادًا كثيرة ‏غيرهم كانوا أقل شهرة ومكانة منهم.‏
وكان ممن بروزا في مصر من علماء القراءات في القرن الرابع الهجري "عبد المنعم بن ‏غلبون" المتوفى سنة ( 389 هـ=998م) صاحب كتاب "الإرشاد"، وابنه طاهر بن غلبون ‏المتوفى سنة (399هـ= 1008م) صاحب كتاب " التذكرة في القراءات"، وتلقى عنه العالم ‏الكبير أبو عمرو الداني أكبر قراء الأندلس في عصره، وهو من أعظم علماء القراءات قاطبة، ‏وصاحب التصانيف المعروفة في هذا العلم كالتمهيد والتيسير. كما تلقى عنه وعن أبيه مكي بن ‏أبي طالب القيرواني.‏
وفي القرن الخامس الهجري لمع عدد كبير من أهل الإقراء في مقدمتهم عبد الجبار ‏الطرسوسي المتوفى سنة (420هـ=1039م) صاحب كتاب المجتبى، والحسن بن محمد ‏البغدادي، المتوفى سنة (428هـ= 1046م) ،وإسماعيل بن خلف المتوفى سنة ‏‏(455هـ=1063م).‏
وفي القرن السادس الهجري نلتقي بعدد وافر من علماء القراءات، كان أبرزهم القاسم بن ‏فيره الذي قدم من الأندلس واستقر بمصر، واشتهر بالشاطبي، وأقبل عليه طلبة العلم من كل ‏مكان.‏

المولد والنشأة
شاطبة مدينة أندلسية تقع على نحو خمسين كيلومترًا جنوب غربي بلنسية على مقربة من ‏البحر المتوسط، وكانت مدينة زاهرة في ظل العهد الإسلامي، وظلت من أهم قواعد الأندلس ‏الشرقية حتى سقطت من أيدي المسلمين سنة (647هـ= 1249م).‏
ويعود بقاء تردد اسمها إلى اليوم على ألسنة كثير من أهل العلم إلى اثنين من أنبغ من ‏أنجبت الثقافة الإسلامية، أما أحدهما فهو الفقيه الأصولي إبراهيم بن موسى بن محمد المعروف ‏بـ "الشاطبي" صاحب كتاب "الموافقات في أصول الفقه"، و"الاعتصام"، وأما الآخر فهو القاسم ‏بن فيره صاحب المنظومة المعروفة بالشاطبية في علم القراءات.‏
في هذه المدينة العريقة ولد القاسم بن فيره بن خلف في سنة (538هـ= 1143م) وكف ‏بصره صغيرًا، وعنيت به أسرته، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم طرفًا من الحديث والفقه، واتجه ‏إلى حلقات العلم التي كانت تعقد في مساجد شاطبة، ومالت نفسه إلى علم القراءات، فتلقاها على ‏أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفزي، ثم شد رحاله إلى بلنسية وكانت من حواضر العلم ‏في الأندلس، فقرأ على ابن هزيل، وسمع الحديث منه ومن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف ‏بن سعادة، وأبي محمد عاشر بن محمد بن عاشر، وأبي محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي، ‏ودرس كتاب سيبويه، والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة على أبي عبد الله محمد بن حميد، ‏ودرس التفسير على أبي الحسن بن النعمة، صاحب كتاب "ري الظمآن في تفسير القرآن".‏

الاستقرار بالقاهرة
رحل القاسم إلى الحج، وهو في طريقه إلى الأراضي الحجازية نزل الإسكندرية، حيث ‏الحافظ أبي طاهر السلفي، وكانت شهرته في الحديث قد عمت "الآفاق" ويشد إليه العلماء ‏الرحال من الشرق والمغرب يتتلمذون على يديه،.‏
استقر الشاطبي بالإسكندرية فترة من الزمن تلقى فيها الحديث عن الحافظ السلفي، ثم ‏استكمل طريقة إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، وفي طريق العودة دخل مصر وكانت تحت ‏حكم الأيوبيين؛ فأكرم "القاضي الفاضل" وفادته وأحسن استقباله وعرف مكانته، وأنزله مدرسته ‏التي بناها بدرب الملوخية بالقاهرة، وجعله شيخًا لها.‏
طابت للشاطبي الحياة بالقاهرة فاستوطنها واستقر بها، وجلس للإقراء والتعليم، فطارت ‏شهرته في الآفاق، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، وكان الشيخ إمامًا متقنًا في علمه، متبحرًا ‏في فنه، آية في الفهم والذكاء، حافظًا للحديث بصيرًا باللغة العربية، إمامًا في اللغة، مع زهد ‏ودين وورع وإخلاص، زاده هيبة وإجلالا، وأسبغ عليه الاشتغال بالقرآن نورًا كسا وجهه وألقى ‏محبة له في القلوب.‏
ولما فتح الله على الناصر صلاح الدين باسترداد مدينة بيت المقدس -رد الله غربتها- ‏سنة (583هـ= 1187م) توجه إلى الشاطبي فزاره سنة (589هـ= 1193م)، ثم رجع فأقام ‏بالمدرسة الفاضلية وأقام بها يقرئ الناس ويعلمهم.‏

منظومة الشاطبية
تعود شهرة القاسم بن فيره إلى منظومته "حزر الأماني ووجه التهاني" في القراءات ‏السبع، وهي قراءات نافع إمام أهل المدينة، وابن كثير إمام أهل مكة، وأبي عمرو بن العلاء بن ‏العلاء إمام أهل البصرة، وعاصم وحمزة والكسائي أئمة أهل الكوفة، وابن عامر إمام أهل ‏الشام.‏
والشاطبية قصيدة لامية اختصرت كتاب "التيسير في القراءات السبع" للإمام أبي عمرو ‏الداني المتوفى سنة (444هـ= 1052م)، وقد لقيت إقبالا منقطع النظير، ولا تزال حتى يومنا ‏هذا العمدة لمن يريد إتقان القراءات السبع، وظلت موضع اهتمام العلماء منذ أن نظمها الشاطبي ‏رواية وأداء، وذلك لإبداعها العجيب في استعمال الرمز وإدماجه في الكلام، حيث استعمله ‏عوضًا عن أسماء القراء أو الرواة، فقد يدل الحرف على قارئ واحد أو أكثر من واحد، وهناك ‏رموز ومصطلحات في المنظومة البديعة، لا يعرفها إلا من أتقن منهج الشاطبي وعرف ‏مصطلحه، وقد ضمّن في مقدمة المنظومة منهجه وطريقته، ومن أبياتها:‏
جزى الله بالخيرات عنا أئمة لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلا
فمنهم بدور سبعة قد توسطت سماء العلا والعدل زهر وكُمَّلا
لها شهب عنها استنارت فنورت سواد الدجى حتى تفرق وانجلا
ولم يحظ كتاب في القراءات بالعناية التي حظيت بها هذه المنظومة، حيث كثر شُراحها ‏وتعددت مختصراتها، ومن أشهر شروح الشاطبية:‏
‏• فتح الوصيد في شرح القصيد لـ "علم الدين السخاوي"، المتوفى سنة (643هـ= ‏‏1245م).‏
‏• وإبراز المعاني من حرز التهاني لـ "أبي شامة"، المتوفى (665هـ= 1266م).‏
‏• وكنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني لـ "الجعبري"، المتوفى سنة ‏‏(_732هـ=1331م).‏
‏• وسراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي لـ "ابن القاصح"، المتوفى (801هـ= ‏‏1398م).‏
‏• وتقريب النفع في القراءات السبع للشيخ "علي محمد الضياع"، شيخ عموم المقارئ ‏المصرية.‏
وقد حصر أحد الباحثين المغاربة أكثر من مائة عمل ما بين شرح للشاطبية وحاشية على ‏الشرح. وللشاطبي منظومتان معروفتان هما:‏
‏• عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد، وهي في بيان رسم المصحف.‏
‏• وناظمة الزهرة في أعداد آيات السور.‏

وفاته
ظل الشاطبي في القاهرة يقيم حلقته في مدرسته، ويلتف حوله تلاميذه النابهون من أمثال ‏أبي الحسن على بن محمد السخاوي، وكان أنبغ تلاميذه، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بعد شيخه، ‏وأبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي، وأبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب وغيرهم كثير. ‏ولم تطل بالشاطبي الحياة، حيث تُوفي وعمره اثنان وخمسون عامًا في (28 من جمادى الآخرة ‏‏590هـ= 20 من يونيو 1194م)، ودفن في تربة القاضي الفاضل بالقرب من سفح جبل ‏المقطم بالقاهرة.‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ ‏ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ـ تحقيق ج برحستراسر ـ دار ‏الكتب العلمية ـ بيروت ـ (1402 هـ= 1982م). ‏
‎•‎ ‏ شمس الدين الذهبي: معرفة القراء الكبار ـ تحقيق بشار عواد معروف ‏وآخرين ـ مؤسسة الرسالة بيروت ـ بدون تاريخ. ‏
‎•‎ ‏ عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ـ تحقيق عبد الفتاح محمد ‏الحلو، ومحمود محمد الطناجي ـ هجر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ ‏‏(1413 هـ= 1992م). ‏
‎•‎ ‏ ابن خلكان: وفيات الأعيان ـ تحقيق إحسان عباس ـ دار صادر ـ بيروت ‏ـ (1398هـ= 1978م). ‏
‎•‎ ‏ الإسنوي: طبقات الشافعية ـ تحقيق عبد الله الجبوري ـ رئاسة ديوان ‏الأوقاف ـ بغداد ـ 1391م. ‏
‎•‎ ‏ أحمد اليزيدي: الجعبري ومنهجه في كنز المعاني في شرح حرز الأماني ـ ‏وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الرباط ـ (1419هـ= 1998م). ‏
‎•‎ ‏ شوقي ضيف: عصر الدول والإمارات (مصر ـ سوريا) دار المعارف ـ ‏القاهرة ـ 1984م.‏

********************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الإمام الغزالى


جمع الإمام الغزالي بين الريادة الفلسفية والموسوعية الفقهية والنزعة الصوفية الروحية، ‏اتسم بالذكاء وسعة الأفق وقوة الحجة وإعمال العقل وشدة التبصر، مع شجاعة الرأي وحضور ‏الذهن، كل ذلك أهّله ليكون رائدا في تلك العلوم المختلفة والفنون المتباينة؛ فكان الغزالي ‏فيلسوفا وفقيها وصوفيا وأصوليا، يحكمه في كل تلك العلوم إطار محكم من العلم الوافر والعقل ‏الناضج والبصيرة الواعية والفكر الراشد، فصارت له الريادة فيها جميعا، وأصبح واحدا من ‏أعلام العرب الموسوعيين المعدودين

الميلاد والنشأة
ولد أبو حامد الغزالي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بقرية "غزالة" القريبة ‏من طوس من إقليم خراسان عام (450هـ = 1058م)، وإليها نسب الغزالي. ونشأ الغزالي في ‏بيت فقير لأب صوفي لا يملك غير حرفته، ولكن كانت لديه رغبة شديدة في تعليم ولديه محمد ‏وأحمد، وحينما حضرته الوفاة عهد إلى صديق له متصوف برعاية ولديه، وأعطاه ما لديه من ‏مال يسير، وأوصاه بتعليمهما وتأديبهما.‏
اجتهد الرجل في تنفيذ وصية الأب على خير وجه حتى نفد ما تركه لهما أبوهما من ‏المال، وتعذر عليه القيام برعايتهما والإنفاق عليهما، فألحقهما بإحدى المدارس التي كانت ‏منتشرة في ذلك الوقت، والتي كانت تكفل طلاب العلم فيها.‏
ودرس الغزالي في صباه على عدد من العلماء والأعلام، أخذ الفقه على الإمام أحمد ‏الرازكاني في طوس، ثم سافر إلى جرحان فأخذ عن الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وعاد بعد ‏ذلك إلى طوس حيث بقي بها ثلاث سنين، ثم انتقل إلى نيسابور والتحق بالمدرسة النظامية، ‏حيث تلقى فيها علم أصول الفقه وعلم الكلام على أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ولازمه ‏فترة ينهل من علمه ويأخذ عنه حتى برع في الفقه وأصوله، وأصول الدين والمنطق والفلسفة ‏وصار على علم واسع بالخلاف والجدل.‏
وكان الجويني لا يخفي إعجابه به، بل كان دائم الثناء عليه والمفاخرة به حتى إنه وصفه ‏بأنه "بحر مغرق".‏

بزوغ شمس الغزالي ‏
استقر المقام بالغزالي في نيسابور فترة طويلة حيث تزوج وأنجب، وظل بها حتى توفي ‏شيخه الإمام الجويني في عام (478هـ = 1085م) فغادرها وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين ‏من عمره.‏
خرج الغزالي إلى "المعسكر" فقصد الوزير السلجوقي "نظام الملك" الذي كان معروفا ‏بتقديره العلم ورعايته العلماء.‏
واستطاع الغزالي أن يحقق شهرة واسعة بعد أن ناظر عددا من الأئمة والعلماء وأفحم ‏الخصوم والمنافسين حتى اعترفوا له بالعلم والفضل، فارتفع بذلك ذكره وذاع صيته، وطار ‏اسمه في الآفاق.‏
واختاره نظام الملك للتدريس بالمدرسة النظامية في بغداد فقصدها في سنة (484هـ = ‏‏1091م) وكان قد بلغ الرابعة والثلاثين من عمره، وقد استُقبل فيها استقبالا حافلا، وكانت له ‏مهابة وجلال في نفوس العامة والخاصة، حتى غلبت حشمته الأمراء والملوك والوزراء.‏
وصرف الغزالي همته إلى عقد المناظرات، ووجّه جهده إلى محاولة التماس الحقيقة التي ‏اختلفت حولها الفرق الأربعة التي سيطرت على الحياة الفكرية في عصره وهي: "الفلاسفة" ‏الذين يدّعون أنهم أهل النظر والمنطق والبرهان، و"المتكلمون" الذين يرون أنهم أهل الرأي ‏والنظر، و"الباطنية" الذين يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالأخذ عن الإمام ‏المعصوم، و"الصوفية" الذين يقولون بأنهم خواص الحضرة الإلهية، وأهل المشاهدة والمكاشفة.‏

رحلة البحث عن الحقيقة

وسعى الغزالي جاهدا ليتقصى الحقيقة بين تلك الفرق الأربعة؛ فدرسها بعمق شديد حتى ‏ألم بها وتعرف عليها عن قرب، واستطاع أن يستوعب كل آرائها، وراح يرد عليها الواحدة تلو ‏الأخرى. وقد سجل ذلك بشكل مفصل في كتابه القيم "المنقذ من الضلال"، ولكنه خرج من تلك ‏التجربة بجرعة كبيرة من الشك جعلته يشك في كل شيء حتى مهنة التدريس التي أعطاها ‏حياته كلها، وحقق من خلالها ما بلغه من المجد والشهرة والجاه، فلم تعد لديه الرغبة في أي ‏شيء من ذلك.‏
وظل الغزالي على تلك الحال من التردد نحو ستة أشهر حتى قرر مغادرة بغداد، وفرّق ‏ما كان معه من مال ولم يدخر منه إلا قدر الكفاف وقوت الأبناء.‏
واتجه إلى الشام حيث أقام بها نحو عامين، فكان يقضي وقته معتكفا في مسجد دمشق، لا ‏شغل له إلا العزلة والخلوة والرياضة الروحية ومجاهدة النفس والاشتغال بتزكيتها وتهذيب ‏الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى.‏
ثم انتقل من دمشق إلى بيت المقدس فكان يدخل مسجد الصخرة كل يوم ويغلق الباب على ‏نفسه وينصرف إلى عزلته وخلوته.‏
وهناك بدأ في تصنيف كتابه الشهير إحياء علوم الدين، ثم ما لبث أن عاد مرة أخرى إلى ‏دمشق ليعتكف في المنارة الغربية من الجامع الأموي، حتى إذا ما دعاه داعي الحج اتجه إلى ‏مكة ليؤدي فريضة الحج سنة (489هـ = 1096م) ثم زار المدينة المنورة.‏
وعاد الغزالي من الحج إلى دمشق مرة أخرى حيث عكف على إنجاز كتاب الإحياء، وفي ‏العام التالي رحل إلى بغداد، لكنه لم يستأنف العمل بالتدريس بها، وما لبث أن ذهب إلى ‏خراسان وظل حريصا على الخلوة، مواظبا على حياة الزهد والتأمل وتصفية القلب لذكر الله، ‏واستمر على تلك الحال نحو عشر سنوات، يجمع بين التمتع بالخلوة والذكر والتأمل، والأخذ ‏بأسباب الحياة والتغلب على عوائقها، واستطاع خلالها الوصول إلى تلك الحقيقة التي راح ‏يبحث عنها، والاهتداء إلى ذلك اليقين الذي راح يبثه في تلاميذه ومريديه: يقين الصوفية الحقة ‏الذي استمد دعائمه من مشكاة النبوة الصافية وجوهر الإسلام الخالص.‏
وعندما تولى "فخر الملك علي بن نظام الملك" الوزارة في نيسابور سنة (498هـ = ‏‏1104م) عقب اغتيال أبيه على يد بعض الباطنية، ألح على الغزالي في العودة إلى التدريس في ‏نظامية نيسابور، واستجاب له الغزالي إلا أنه لم يستمر بها أكثر من عامين؛ إذ سرعان ما ترك ‏التدريس ثانية بعد اغتيال فخر الملك على يد أحد الباطنية في المحرم (500هـ = 1106م).‏
وعاد الغزالي إلى مسقط رأسه في طوس فبنى بها مأوى للطلاب والصوفية ممن ‏يقصدونه، وظل بها فلم يبرحها حتى توفي.‏

صاحب رسالة
كان الغزالي منذ حداثة سنه يشعر أنه صاحب رسالة، وقد أدرك منذ صباه ذلك الصراع ‏الدائر بين الفرق الدينية المختلفة والتيارات الفكرية المتناحرة، وهو ما حظي بقدر كبير من ‏الاهتمام والجدل في عصره؛ ولعل ذلك ما أغراه بدراسة تلك الفرق والطوائف والتصدي لها ‏في العديد من مؤلفاته ومناظراته.‏
وبالرغم من النزعة الصوفية التي سيطرت عليه طوال حياته، والتي كان لنشأته وبيئته ‏الأولى أثر كبير في ترسيخها في عقله ووجدانه، فإنه لم ينعزل عن قضايا مجتمعه ومشكلات ‏أمته، وإنما اهتم برصد ما يدور حوله من تيارات فكرية ومذاهب دينية واتجاهات فلسفية، ‏وتصدى لها بالنقد والتحليل، فجمع بين روحانية الصوفية في صفاء العبادة وشفافية الوجدان ‏وعمق الإيمان والزهد في الدنيا، وبين النزعة العقلية العلمية في النظر إلى الأمور الدنيا والدين ‏على حد سواء، وحرية الفكر وشجاعة الرأي.‏
وكان الغزالي معنيًا بأمر الدين، مهتمًا بالذبّ عن العقيدة الخالصة والإسلام الصحيح، وقد ‏تجلى ذلك في العديد من مؤلفاته مثل: المنقذ من الضلال، وفضائح الباطنية، وتهافت الفلاسفة، ‏بل إنه في كتابه الضخم وموسوعته الكبرى "إحياء علوم الدين" يستشعر هدفا أسمى ودورا ‏أعظم ويضع نصب عينيه غاية أبعد بأنه مجدد الدين في القرن الخامس الهجري، ويتجلى ذلك ‏بوضوح في العنوان الذي اختاره لدرته الرائعة وكتابه الفريد "الإحياء".‏

من الشك إلى اليقين
تميز الغزالي الفيلسوف بالجرأة والشجاعة والذكاء؛ فقد واجه الاتجاهات الفكرية المختلفة ‏التي سادت في عصره بذكاء وشجاعة نادرين، وكان نقده مركزا على نقد الفرق المتطرفة من ‏منطلق إخلاصه للإسلام، وكان في نقده لها يتسم بالنزاهة والموضوعية، وأثبت الغزالي في رده ‏على الفلاسفة مخالفتهم للإسلام في بعض الجوانب، وحذر الناس من اتباع طريقتهم من غير ‏مناقشة أو تمحيص، كما كشف عن أباطيل الباطنية، وفضح ضلالاتهم بعد أن درس أسرار ‏مذهبهم وعرف حقيقة أفكارهم، وكان أمر تلك الفرقة قد استشرى واستفحل خطرهم سياسيا ‏ودينيا، وقد أراد الغزالي من رده عليهم تحجيم خطرهم والتقليل من نفوذهم الديني والسياسي ‏بعد تعريتهم والكشف عن زيفهم وضلالهم وتوضيح أهدافهم.‏
وكان الغزالي في فلسفته يعبر عن شغفه بالعلم والبحث عن الحقيقة، وقد اتبع منهجا عقليا ‏يقوم على فكرتين أساسيتين هما: الشك، والحدس الذهني.‏
وقد عبر عن ذلك بوضوح في قوله: "إن العلم اليقيني هو الذي يُكشف فيه المعلوم انكشافا ‏لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم".‏
ويعبر عن تجربة البحث عن الحقيقة التي تبدأ عنده بالشك فيقول: "فأقبلت بجدٍّ بليغ أتأمل ‏في المحسوسات والضروريات وأنظر: هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول ‏التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا".‏
وهو يفسر ذلك بأنه "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى ‏في العمى والضلال".‏
وهذا المنهج الذي اتبعه الغزالي منذ أكثر من تسعة قرون شديد التشابه بما قدمه الفيلسوف ‏الفرنسي ديكارت وهو ما يؤكد تأثره بالفيلسوف الإسلامي الكبير وأخذه عنه؛ فقد عاش ‏الفيلسوفان التجربة المعرفية ذاتها، وإن كان فضل السبق والأصالة يظل الغزالي، فعبارة ‏الغزالي الشهير "الشك أول مراتب اليقين" التي أوردها في كتابه "المنقذ من الضلال" هي التي ‏بنى عليها ديكارت مذهبه، وقد أثبت ذلك الباحث التونسي "العكاك" حينما عثر بين محتويات ‏مكتبة ديكارت الخاصة بباريس على ترجمة كتاب المنقذ من الضلال، ووجد أن ديكارت قد ‏وضع خطًا أحمر تحت تلك العبارة، ثم كتب في الهامش: "يضاف ذلك إلى منهجنا".‏

موقفه من العقل
تحول الغزالي من الفلسفة إلى التصوف بعد أن استقر في وعيه ووجدانه أن الصوفية هم ‏السابقون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، ‏وأخلاقهم أزكى الأخلاق.‏
ورأى أن التصوف هو المنهج الأفضل في تلقي المعرفة اليقينية الملائمة، وهو في ‏تصوفه لا يهمّش العقل، ولا يقلل من دوره، بل على العكس من ذلك؛ فإن للعقل عنده دورا ‏أساسيا في سلوك طريق التصوف؛ إذ إن العلم اللدني عنده لا يتأتى إلا بعد استيفاء تحصيل ‏جميع العلوم، وأخذ الحظ الأوفر منها والرياضة الصادقة للنفس والمراقبة الصحيحة لله مثل ‏التفكر الذي يفتح للمتفكر أبواب العلم ويصير به من ذوي الألباب.‏
والغزالي يحتج بالعقل على غلاة الصوفية القائلين بالفناء والاتحاد، ويرى أنه قد ينكشف ‏للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، ولكن ليس من الممكن أن ينكشف له شيء يحكم العقل ‏باستحالته، فالعقل عنده هو الميزان الذي قيضه الله للإنسان لقياس مدى صدق معارفه ووضع ‏الحدود لها، ومن ثم فإنه ليس ثمة تعارض بين مقتضيات التعقل، وشئون الإيمان الديني. ويرى ‏أن من لم تكن بصيرته الباطنية ثاقبة فلن يعلق به من الدين إلا قشوره. أما في مسائل الإلهيات ‏والغيب فيقرر أنه ليس للعقل دور أكثر من تقبلها والتسليم بصدقها.‏
ومما لا شك فيه أن الغزالي قد ساهم بتلك العقلية الواعية في تنقية التصوف من كثير من ‏البدع والانحرافات، وأعطى التصوف والحياة الروحية بعدا عقليا جديدا، وإذا كان الإمام ‏الأشعري قد خلّص علم الكلام من السفسطة الساذجة للمتكلمين القدامى المقتدين بالجدل ‏اليوناني، فإن الإمام الغزالي قد أكد للإسلام قوة الحياة الدينية بتقرير الاعتراف بما نبت فيها من ‏تصوف، وأسسه تأسيسا فلسفيا.‏

الغزالي والتربية الخلقية
تهدف التربية الخلقية عند الإمام الغزالي إلى تحقيق بعض الغايات والأهداف التي تؤدي ‏إلى رفع المستوى الروحي والخلقي والفكري والاجتماعي والسياسي للفرد والمجتمع، ومن تلك ‏الأهداف التي حرص الغزالي على تحقيقها.‏
‏1- الكمال الإنساني: وذلك بارتقاء النفس الإنسانية من مجال الحس إلى مجال التفكير، ‏والارتقاء بالإنسان من مستوى الخضوع للأهواء والشهوات إلى مقام العبودية لله، حتى تصل ‏إلى حالة تطل بها على عالم الغيب، فتطّلع على الحقيقة، وتصل إلى أقصى مراتب الكمال ‏الإنساني باقترابها من الخالق سبحانه وتعالى.‏
‏2- تربية النفس على الفضيلة: فقد ركز الإمام الغزالي على أساسيات الفضائل، واعتبرها ‏أربعة هي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.‏
ويرى أن تحقيق الفضيلة إنما يكون من خلال تصفية القلب لذكر الله تعالى، والعمل على ‏تزكية النفس وتهذيب الأخلاق.‏
ويؤكد الغزالي على أهمية الفضائل ودورها في ضبط قوى النفس الإنسانية، وتنمية ‏الاستعدادات الفطرية الخيرة فيها.‏
‏3- تهذيب قوى النفس الإنسانية: وهو يرى أن ذلك لا يعني قمع نزعاتها وغرائزها ‏واستئصالها تماما، فإن ذلك مخالف لفطرة الإنسان وطبيعته؛ لأن الشهوة إنما خلقت لفائدة، ولها ‏وظيفة لا غنى للإنسان عنها، ولا بقاء له من دونها، فشهوة الطعام ضرورية لحياته ونموه، ‏وشهوة الجنس تحفظ النسل وتساهم في بقاء النوع الإنساني، ولكنه يربط هذه الشهوات ‏بالاعتدال والعفة والعقل.‏
‏4- حسن توجيه طاقات الأمة: فالغزالي يؤكد على أهمية حفظ طاقات النفس وتوجيهها ‏للإفادة منها على النحو الأمثل، كما دعا إلى ضرورة تخليص الأمة من الشهوات المفسدة للروح ‏الإسلامية، وأكد على الأثر التهذيبي للشريعة الإسلامية في كل من الفرد والمجتمع.‏
‏5- تكوين الشخصية المتوازنة: ويركز الغزالي في التربية الخلقية على المكونات ‏الرئيسية للنفس الإنسانية وهي: العقل والروح والجسم، وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا ‏متكاملا، ومن ثم جاء تأكيد الغزالي على بعض الأساليب والطرائق التربوية التي تتناول تلك ‏المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية ‏العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل ‏والحواس.‏
‏6- إرضاء الله سبحانه وتعالى: دعا الغزالي إلى توخي إرضاء الله تعالى، وحذر من ‏مطامع الدنيا الفانية، وحث على إحياء الشريعة الإسلامية والتماس رضوان الله تعالى، ولذلك ‏فهو يرى أن من أهداف التربية الخلقية إعداد الإنسان في هذه الحياة الفانية للدار الآخرة الباقية؛ ‏لأن الغاية المثلى للإنسان في هذه الدنيا هي حسن العبودية لله وتمام الطاعة والخضوع له.‏

الغزالي فقيها أصوليا
كان الغزالي فقيها أصوليا بارعا، وقد ترك تراثا فقهيا كبيرا يدل على مدى تمكنه من هذا ‏العلم وعلو منزلته فيه، ومن أهم مؤلفاته في أصول الفقه:‏
‏-"المنحول في علم الأصول"، وكان قد صنفه في مطلع شبابه وكان شافعيا متحمسا، ‏وتناول فيه الأحكام الشرعية والأحكام التكليفية، وبيّن الواجب والمندوب والمحظور والمكروه، ‏كما تحدث عن الإجماع والقياس والترجيح، وتناول الفتوى والاجتهاد وأحكامه، والتقليد ‏وأحكامه، ثم ذكر سبب تقديمه مذهب الشافعي على بقية المذاهب.‏
‏-"البسيط في الفروع": وهو كتاب في الفقه الشافعي، وصفه ابن خلكان بقوله: "ما صُنّف ‏في الإسلام مثله"، وقد تحدث فيه عن القصاص والجنايات التي تستوجب الحد، كما تناول السبق ‏والرمي، والنذور والشهادات والدعاوى والعتق، واختصره الغزالي مرتين بعنوان: الوسيط ‏والوجيز.‏
‏-"شفاء العليل في القياس والتعليل": وتناول فيه مسائل القياس والعلة والدلالة، كما ذكر ‏شروط القياس وكيفيته، وذكر بعض المسائل التي توضح ذلك.‏
‏-"إحياء علوم الدين": وقد اشتمل على أبواب من العقائد والعبادات والمعاملات، وجمع فيه ‏بين العقل والنقل، وبين الفقه والتصوف، وبين النص والاستدلال.‏
‏-"تهذيب الأصول": وهو كتاب ضخم في علم الأصول، يميل إلى الاستقصاء، والاستكثار ‏يفوق كتابيه: المستصفى والمنخول.‏
‏-"المستصفى من علم الأصول": وهو اختصار لكتابه تهذيب الأصول الذي يميل إلى ‏الاستقصاء، ويفوق كتاب المنخول الذي يميل إلى الاختصار.‏
وقد أفاد الغزالي كثيرا من دراسته للفقه وتمكنه منه في مناقشته أفكار ودعاوى الفرق ‏المنحرفة وغلاة الصوفية، وإبطال عقائد الباطنية وغيرهم والرد على مزاعمهم وافتراءاتهم، ‏وكان له أكبر الأثر في تشكيل عقله ووعيه، وتوجيه تصوفه ليقترب كثيرا من المنهج السلفي، ‏ويبتعد عن الوقوع في دائرة الغلو والشطط والإغراق في المبالغة التي وقع فيها كثير من ‏الصوفية.‏

الوفاة
وتوفي الإمام الغزالي في (14 من جمادى الآخرة 505هـ = 19 من ديسمبر 1111م) ‏عن عمر بلغ خمسا وخمسين عاما، وترك تراثا صوفيا وفقهيا وفلسفيا كبيرا، بلغ 457 مصنفا ‏ما بين كتاب ورسالة، كثير منها لا يزال مخطوطا، ومعظمها مفقود.‏



أهم مصادر الدراسة:‏
‎•‎ الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل: د.محمد إبراهيم الفيومي-دار الفكر ‏العربي-القاهرة 1406هـ = 1986م.‏
‎•‎ البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي ‏تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة ‏‏1417هـ = 1997م.‏
‎•‎ تاريخ الأدب العربي: كارل بروكلمان القسم الرابع 7-8، أشرف على الترجمة ‏أ.د محمود فهمي حجازي- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1413هـ = ‏‏1993م.‏
‎•‎ سير أعلام النبلاء شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي-أشرف على ‏تحقيقه: شعيب الأرنؤوط- مؤسسة الرسالة- بيروت 1410هـ = 1990م.‏
‎•‎ الغزالي ولمحات عن الحياة الفكرية الإسلامية: د.بهي الدين زيان- مكتبة نهضة ‏مصر- القاهرة 1378هـ = 1958م.‏
‎•‎ مؤلفات الغزالي: عبد الرحمن بدوي- المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب- ‏القاهرة 1380هـ = 1961م.‏
‎•‎ نظرية التربية الخلقية عند الإمام الغزالي- عبد الحفيظ أحمد علاوي البريزات- ‏منشورات دار الفرقان- عمان 1404هـ = 1984م.‏
‎•‎ الوافي بالوفيات: صلاح الدين جليل بن أيبك الصفدي- تحقيق: هلموت ديتر- ‏دار النشر فرانز شتايز فيسبادن 1381هـ = 1962م.‏
‎•‎ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو عباس شمس الدين أحمد بن محمد بن ‏أبي بكر بن خلكان- تحقيق: د.إحسان عباس- دار الثقافة- بيروت د.ت


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
أبو يوسف



ازدهر الفقه الإسلامي في مطلع العصر العباسي ازدهارا عظيما، واتسعت دائرته ‏وتكونت مدارسة المختلفة، وزادت ثروته وأصبح عِلما قائما بذاته، وتخصص له أعلام شهد لهم ‏التاريخ بالنبوغ والإبداع، ودُوّنت أصوله، وظهرت قواعد الاستنباط، وقوانين الاجتهاد التي ‏يلتزمها الفقهاء، ومن يريد استنباط الأحكام من أدلة الشرع الحنيف.‏
وامتاز العصر العباسي بظهور عدد من الفقهاء النابغين، ذاع صِيتهم وانتشر فقههم، ‏وصار لهم أتباع وتلاميذ ينشرون علمهم، وينتصرون لهم، ويدعون لمذهبهم بين الناس، وكان ‏الإمام أبو يوسف أبرز تلاميذ الإمام أبي حنيفة النعمان مؤسس المذهب الحنفي، الذين قاموا ‏بجهد هائل في نشر مذهب الحنفية ووضع أصوله.‏

النشأة
ولد يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المعروف بأبي يوسف في الكوفة سنة ‏‏(113هـ=731م)، وبها نشأ وتعلم، واتجه مبكرا إلى دراسة الحديث، فسمع أبا إسحاق ‏الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ودرس المغازي ‏على محمد بن إسحاق، صاحب السيرة النبوية المعروفة باسمه، ثم تتلمذ على عبد الرحمن بن ‏أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، ثم اتصل بالإمام أبي حنيفة، ولازم حلقته ودروسه، غير أنه ‏أحيانا كان ينقطع عنها؛ لاضطراره أن يعمل حتى يواجه نفقات الحياة، فلما رأى أبو حنيفة ذلك ‏وأحزنه أن تصرف ضرورات العيش تلميذه النجيب عن طلب العلم؛ تكفله بالعيش، وأمدّه بماله ‏حتى يفرغ تماما للدراسة.‏
وصُنْع أبي حنيفة مع تلميذه خليق بالإعجاب والتقدير، فهو يتحمل أعباءه المالية كما ‏يتحمل أعباء تعليمه وتهذيبه، ويسوّي بينه وبين ولده في الإنفاق والتهذيب، وإذا كان التاريخ لا ‏يعتد بما خلّفه أبو حنيفة من أموال وعقار، فإنه يفخر بما أنجب من تلاميذ، ملئوا الدنيا علمًا ‏وفقهًا، وحسبك من أستاذ يكون بين تلاميذه: أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر، ‏والحسن بن زياد.‏
ولم يكتف أبو يوسف بما حصله من علم أبي حنيفة، فرحل إلى المدينة المنورة، واتصل ‏بعالمها المبرز الإمام مالك، فأخذ عنه الحديث والفقه، ووجد منهجًا يختلف عن منهج إمامه أبي ‏حنيفة، فوازن بينهما وقارن، وجادل شيخه وحاجّه، ثم رجع إلى العراق مزودًا بعلم أهل ‏المدينة، فجمع بين المدرستين: مدرسة الأثر في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق، وقرّب ‏بينهما، وساعده على ذلك اشتغاله برواية الحديث.‏

أبو يوسف قاضيا
روي عن أبي حنيفة أنه قال عن تلاميذه: أصحابنا ستة وثلاثون رجلا ، ثمانية وعشرون ‏يصلحون للقضاء، وفيهم ستة يصلحون للفتوى، وفيهم اثنان يصلحان لتأديب القضاة وأصحاب ‏الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف، وزفر.‏
وحين استشار الإمام أبو حنيفة تلميذه أبا يوسف في قبول وظيفة القضاء ونصحه أبو ‏يوسف بالقبول، قال له شيخه: لكأني بك قاضيا، وهي النبوءة التي قال عنها هارون الرشيد فيما ‏بعد: إن أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.‏
اشتغل أبو يوسف بالقضاء في سنة (166هـ = 782م) في عهد الخليفة العباسي ‏‏"المهدي"، وبلغ الغاية في عهد الخليفة "هارون الرشيد" حيث تولى منصب قاضي القضاة، وهو ‏منصب استُحدث لأول مرة في تاريخ القضاء، وشاءت الأقدار أن يكون أبو يوسف هو أول من ‏يشغله في التاريخ الإسلامي.‏
وقد أتاح هذا المنصب الجليل لأبي يوسف أن ينشر مذهبه وفقه شيخه أبي حنيفة، وجعله ‏الفقه الرسمي بالقضاء والإفتاء والتدوين، وأتاح له الذيوع والانتشار، وصقله عمليًا، فإن القضاء ‏فيه مواجهة لمشاكل الناس، ووضْع طرق لمعالجتها، ووقوف على الشئون العامة، ومن ثم مكّن ‏أبو يوسف للمذهب الحنفي بأن يسود ويعم بتعيين أتباعه في كراسي القضاء، حيث كان يناط به ‏تعيينهم في الولايات؛ باعتباره القاضي الأول في الدولة العباسية.‏

أبو يوسف والرشيد
ارتبط أبو يوسف بعلاقة وثيقة مع الخليفة الرشيد، وتبوأ عنده مكانة عالية، فكان يؤاكله ‏ويحج معه ويؤمه ويعلمه.. كتب له في كتاب "الخراج": "وقد كتبت لك ما أمرت وشرحته لك ‏وبينته فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك ‏والمسلمين نصحا".‏
وهذا الكتاب الذي يعد من أعظم كتب الفقه الإسلامي، كان استجابة لرسالة من الرشيد إلى ‏قاضيه أبي يوسف في أن يضع له كتابا في مالية الدولة وفق أحكام الشرع الحنيف، وقد تضمن ‏الكتاب بيانا بموارد الدولة على اختلافها، حسبما جاءت به الشريعة، ومصارف تلك الأموال، ‏وتطرّق إلى بيان الطريقة المثلى لجمع تلك الأموال، وتعرض لبعض الواجبات التي يلزم بيت ‏المال القيام بها.. وهو ما أغفله بعض الولاة.‏
والكتاب وثيقة تاريخية مهمة في تصوير بعض الأحوال المالية والاجتماعية في هذا ‏العصر، فهو يندد ببعض ممارسات بعض الولاة مع أهل الخراج، حيث يطالبونهم بما ليس ‏واجبا عليهم من أموال، ويشتطون في تحصليها.‏
ويقترح أبو يوسف في "الخراج" على الخليفة أن يجلس للنظر في مظالم الرعية مجلسا ‏واحدا في الشهر أو الشهرين، يسمع فيه من المظلوم، وينكر على الظالم؛ حتى ينتهي الولاة عن ‏ظلم رعيتهم، كما حثّه على أن يجيب مطالب المزارعين وأهل الخراج في كل ما فيه مصلحة ‏لهم، كحفر الأنهار. ويلتزم بيت المال بالإنفاق على تلك المشروعات.. وخلاصة القول إن أبا ‏يوسف وضع نظاما شاملا للخراج يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.‏

أبو يوسف مجتهدا
يتفق المؤرخون في أن أبا يوسف يعد صاحب الفضل الأكبر في نشر المذهب الحنفي، ‏وأنه كان من أفقه أهل عصره، فهو أول من وضع في أصول الفقه على مذهب الإمام أبي ‏حنيفة، وأملى المسائل، وبث علم الإمام في أقطار الأرض.‏
ومع اتصاله بأبي حنيفة اتصال التلميذ بالأستاذ، وأخذه الفقه عنه.. فإنه خالف إمامه في ‏مسائل متعددة، واستقل في تفكيره عنه؛ ولذا عدّه بعض العلماء من المجتهدين المستقلين الذين ‏يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة وليسوا تابعين لأحد في اجتهادهم، كالأئمة الأربعة.‏

.. مؤلفًا
ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، ذكرها ابن النديم في "الفهرست"، ‏فقال: ولأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة ، كتاب ‏الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود… غير أن أشهر كتبه: كتاب الخراج، وقد ‏تحدثنا عنه، وكتاب الآثار، وهو مسند لأبي حنيفة رواه أبو يوسف عنه، ويضم طائفة من ‏الأحاديث التي اعتمد عليها أبو حنيفة في بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى، بالإضافة إلى ‏مجموعة أخرى من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة والعراق.‏
‏"وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي، وهو كتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف ‏فيها أبو حنيفة مع ابن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، وهو يصور ما كان يجري بين علماء ‏ذلك العصر من دراسة عميقة للمسائل المختلفة، وعُنِي أبو يوسف فيه بذكر آراء المختلفين ‏مدعومة بالدليل، وإن كان ينتصر كثيرا لآراء شيخه أبي حنيفة".‏
وكتاب الرد على سير الأوزاعي وفي هذا الكتاب يرد أبو يوسف على الأوزاعي فيما ‏خالف فيه أبا حنيفة من أحكام الحروب، وما يتصل بها من الأمان والهدنة والأسلاب والغنائم، ‏وينتصر لشيخه على الأوزاعي في هذه المسائل وما يتصل بها.‏
وفي 5 من ربيع الأول 182 هـ= 21 من إبريل 798م توفي أبو يوسف وصلى عليه ‏الخليفة هارون الرشيد، وأمر بدفنه في مقابر قريش، وسمعه السامع يوم مات يقول: اللهم إنك ‏تعلم أنني لم أَجُر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما ‏وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.‏


مراجع الدراسة
‎•‎ ابن خلكان – وفيات الأعيان – تحقيق إحسان عباس- دار الثقافة – بيروت – ‏‏1968. ‏
‎•‎ أبو الوفاء القرشي – الجواهر المضية في طبقات الحنفية – تحقيق عبد الفتاح ‏محمد الحلو – عيسي البابي الحلبي- القاهرة – 1399هـ – 1979. ‏
‎•‎ محمد أبو زهرة – أبو حنيفة حياته وعصره – دار الفكر العربي – القاهرة – ‏‏1977م. ‏
‎•‎ محمد ضياء الدين الريس- الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية – دار ‏المعارف – القاهرة – 1969م. ‏

**************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
العجلونى


إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني الشهير بالجراحي ‏(‏نسبة إلى أبي عبيدة‎ ‎بن الجراح ‏أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم‏)‏ الشافعي، العجلوني‏‎ ‎المولد، الدمشقي المنشأ ‏والوفاة، الشيخ العالم الهمام الحجة الرحلة العمدة الورع‎ ‎العلامة، كان عالما بارعا صالحا مفيدا محدثا ‏مبجلا قدوة سندا خاشعا، له يد في‎ ‎العلوم لاسيما الحديث والعربية وغير ذلك مما يطول شرحه ولا ‏يسع في هذه السطور وصفه،‎ ‎له القدم الراسخة ‏(‏في الأصل ‏"‏الراسخ‏"‏ وهو جائز‏)‏ في العلوم واليد ‏الطولى في‎ ‎دقائق المنطوق والمفهوم كما قيل‏:‏‎ ‎
حدث عن البحر لا عتب ولا حرج * وما تشاء من الإجلال قل وقل‎ ‎
ولد بعجلون في سنة سبع وثمانين بعد الألف تقريبا، وسماه والده أولا‎ ‎باسم محمد مدة من الزمان لا ‏تزيد على سنة، ثم غير اسمه إلى مصطفى نحو ستة أشهر ثم‎ ‎غير اسمه بإسماعيل واستقر الأمر بهذا ‏الاسم‏.‏‎ ‎

ثم لما بلغ سن التمييز شرع في قراءة القرآن العظيم حتى حفظه عن ظهر‎ ‎قلبه في مدة يسيرة، ثم قدم ‏إلى دمشق وعمره نحو ثلاث عشرة سنة تقريبا لطلب العلم‎ ‎وذلك في منتصف شوال سنة ألف ومائة، ‏واشتغل على جماعة أجلاء بالفقه والحديث والتفسير‎ ‎والعربية وغير ذلك إلى أن تميز عن أقرانه ‏بالطلب‏.‏‎ ‎
ومن أسباب توجهه لطلب العلم أنه أما كان في بلاده وكان صغيرا يقرأ‎ ‎في المكتب رأى في عالم ‏الرؤيا أن رجلا ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية‎ ‎الجودة والبياض، وقد غمرته ‏لكونها سابغة على يديه ورجليه‏.‏ فأخبر والده بالمنام‏‎ ‎فحصل له بذلك السرور التام وقال له إن شاء الله ‏يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ‎ ‎الوافر ودعا له بذلك‏.‏‎ ‎
قلت ومشايخه كثيرون والكتب التي قرأها لا تعد لكثرتها ما بين كلام‎ ‎وتفسير وحديث وفقه وأصول ‏وقرا آت وفرائض وحساب وعربية بأنواعها ومنطق وغير ذلك‏.‏‎ ‎
وقد ألف ثبتا سماه حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل‏‎ ‎الرجال‏.‏‎ ‎
وترجم مشايخه به، فمن مشايخه الشيخ أبو المواهب مفتي الحنابلة‎ ‎بدمشق، والشيخ محمد الكاملي ‏الدمشقي، والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق، والأستاذ‎ ‎الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ ‏يونس المصري نزيل دمشق، والشيخ عبد‎ ‎الرحمن المجلد الدمشقي، ومفتيها الشيخ إسماعيل الحائك، ‏والشيخ نور الدين الدسوقي‎ ‎الدمشقي، والشيخ عثمان القطان الدمشقي، والشيخ عثمان الشمعة ‏الدمشقي، والشيخ عبد‎ ‎القادر التغلبي الحنبلي، والشيخ عبد الجليل أبو المواهب المذكور، والشيخ عبد ‏الله‎ ‎العجلوني نزيل دمشق، ومن غير الدمشقيين الشيخ محمد الخليلي المقدسي، والشيخ محمد‏‎ ‎شمس ‏الدين الحنفي الرملي، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم المكي البصري، والشيخ تاج‎ ‎الدين القلعي مفتي ‏مكة، والشيخ محمد الشهير بعقيلة المكي، والشيخ محمد الوليدي،‎ ‎والشيخ محمد الضرير الإسكندراني ‏المكي، والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم المكي،‎ ‎والشيخ أبو طاهر الكوراني المدني، والشيخ ‏أبو الحسن السندي ثم المدني، والشيخ ابن‎ ‎عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني، والشيخ أحمد ‏النجلي المكي، والشيخ سليمان بن‎ ‎أحمد الرومي واعظ أيا صوفية‏.‏‎ ‎

وارتحل إلى الروم في سنة تسع عشرة ومائة وألف فلما كان بها أنحل‎ ‎تدريس قبة النسر بالجامع ‏الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه صاحب‎ ‎الترجمة وجاء به إلى دمشق، وكان ‏والي دمشق إذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضا‎ ‎به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي وألزم ‏القاضي بعرض على موجب عرضه وأنه يعطي ما صرفه‎ ‎شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية ‏بدمشق للقاضي وكان مراد الغزي أولي التدريس‎ ‎فحين وصول العروض إلى دار الخلافة قسطنطينية ‏للدولة العلية ما وجهوا التدريس لشيخه‎ ‎الكاملي ووجهوه للمترجم واستقام بهذا التدريس إلى أن مات‏.‏‎ ‎
ومدة إقامته من ابتداء سنة عشرين إلى أن مات إحدى وأربعون سنة وهو‎ ‎على طريقة واحدة مبجلا ‏بين العال والدون ودرس بالجامع الأموي وفي مسجد بني‎ ‎السفرجلاني ولزمه جماعة كثيرون لا ‏يحصون عددا‏.‏‎ ‎
وألف المؤلفات الباهرة المفيدة منها كشف الخفا ومزيل الإلباس عما‎ ‎اشتهر من الأحاديث على ألسنة ‏الناس، ومنها الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري،‎ ‎ومنها إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين، ‏ومنها تحفة أهل الإيمان فيما يتعلق برجب‎ ‎وشعبان ورمضان، ومنها نصيحة الإخوان فيما يتعلق ‏برجب وشعبان ورمضان، ومنها عرف‎ ‎الزرنب ‏(‏الزرنب‏:‏ طيب أو شجر طيب الرائحة، كما في ‏القاموس‏.‏‏)‏ بترجمة سيدي‏‎ ‎مدرك والسيدة زينب، ومنها الفوائد المحررة ‏(‏في سلك الدرر ‏"‏المجردة‏"‏ ‏وهو خطأ‎ ‎ظاهر قد لا نعرض للتنبيه على مثله‏)‏ بشرح مصوغات الابتداء بالنكرة، ومنها الأجوبة‏‎ ‎المحققة عن الأسئلة المفرقة، ومنها الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأئمة‎ ‎المجتهدين الأربعة ‏ولكل واحد منها اسم خاص يعلم من الوقوف عليها، ومنها أربعون‎ ‎حديثا كل حديث من كتاب، ومنها ‏عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين‏.‏‎ ‎
وهذه الكتب كاملة وأقلها نحو الكراستين وأكثرها نحو العشرين، ومنها‎ ‎التي لم تكمل وهي كثيرة ‏أيضا منها أسنى الوسائل بشرح الشمائل، ومنها استرشاد‎ ‎المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح ‏الأربعين النووية لابن حجر المكي، ومنها عقد‎ ‎اللآلي بشرح منفرجة الغزالي، ومنها إسعاف الطالبين ‏بتفسير كتاب الله المبين، ومنها‎ ‎فتح المولى الجليل على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ‏ومنها وهو أجلها‎ ‎شرحه على البخاري المسمى بالفيض الجاري بشرح صحيح البخاري وقد كتب من ‏مسوداته‎ ‎مائتين واثنين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي صلى الله عليه‎ ‎وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم من المغازي ولو كمل هذا الشرح‎ ‎لكان من نتائج الدهر‏.‏‎ ‎
وكان صاحب الترجمة حليما سليم الصدر سالما من الغش والمقت، صابرا‎ ‎على الفاقة والفقر، ملازما ‏للعبادات والتهجد، والاشتغال بالدروس العامة والخاصة،‎ ‎كافا لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة، ‏ولم يزل مستقيما على حالته الحسنة المرغوبة‎ ‎إلى أن مات‏.‏‎ ‎
قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه، ولما حج الوالد في سنة‎ ‎سبع وخمسين ومائة وألف ‏كان هو أيضا حاجا في تلك السنة فأقرأ كتاب صحيح البخاري في‎ ‎الروضة المطهرة وأعاد له الدرس ‏الوالد وقد أجاز الوالد نثرا ونظما فالنظم قوله‏:‏‎ ‎
أجزت نجل العارف المرادي * أعني عليا فاز بالمراد‎ ‎
وهو الشريف اللوذعي الكامل * الأريب والمفضال ذو الأيادي‎ ‎
أجزته بكل ما أخذته * عن الشيوخ الفضلا الأطواد‎ ‎
أجزته بكل ما صنفته * كالفيض والكشف مع الإرشاد‎ ‎
أجزته بكل ما في ثبتنا * الجامع النوعين بالسداد‎ ‎
أجزته إجازة بشرطها * عند أولي التحديث والنقاد‎ ‎
أجزته في الروضة الفيحاء * بطيبة المختار طه الهادي‎ ‎
صلى عليه ربنا وسلما * وآله وصحبه الأمجاد‎ ‎
ما غردت قمرية فأطربت * وأمطرت سحب وسال واد‎ ‎
وكان ينظم الشعر، وشعره شعر علماء لأنهم لا يشغلون أنفسهم به كما‎ ‎قال ابن بسام‏:‏ إن شعر العلماء ‏ليس فيه بارقة تسام وجعل الشهاب أن أحسن بعض‎ ‎أشعارهم من قبيل دعوة البخيل أو حملة الجبان‏.‏‎ ‎
وقال الأمين في نفحته‏:‏ قلت علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى‏‎ ‎يعنى، والشعر وإن سموه ترويح ‏الخاطر لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني ‏(‏هذه تسلية‎ ‎العلماء، وحديث ‏"‏إن من الشعر حكمة‏"‏ محفوظ ‏عند الجميع‏)‏ وشتان بين من تعاطاه في‏‎ ‎الشهر مرة وبين من أنفق في تعاطيه عمره‏.‏‎ ‎
وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه‏:‏ خاتمة أئمة‏‎ ‎الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها ‏بالقديم والحديث اقتدح زناده فيه فأضاء وشاع حتى ملأ‎ ‎الفضاء آخذا بطرفي العلم والعمل متسنما ‏ذروة عن غيره بعيدة الأمل يقطع آناء الليل‎ ‎تضرعا وعبادة ويوسع أطراف النهار قراءة وإفادة لا ‏يشغله عن ترداده النظر في دفاتره‎ ‎مرام ولا عن نشر طيبها نقض ولا إبرام مع ورع ليس للرياء ‏عليه سبيل وغض بصر عما لا‎ ‎يعني من هذا القبيل، وهو وإن كانت عجلون تربة ميلاده فإن الشام ‏تشرفت بطارف فضله‎ ‎وتلاده فقد طلع في جبهتها شامة وأرهف منصل فكرته بها وشامه حتى صار ‏هلاله بدرا‎ ‎ومنازله طرفا وقلبا وصدرا فاستحث عزمه نحو الروم وقصد بها إنجاز ما يروم فأحلته ‏عن‎ ‎السمع والبصر وجنى غصن أمانيه واهتصر وعلى ما به قوام معاشه اقتصر فآب ولم يخب‎ ‎مسعاه وطرف الدهر بمقلة الارتقاء يرعاه فأظلته قبة النسر المنيفة وصار لمن سلفه‎ ‎خليفة وأي خليفة ‏فتغص حلقته بالخاص والعام فيملي على فتح الباري ما يوضح خفايا‎ ‎البخاري بناطقة تسحر العقول ‏بأدائها، وتسخر بالعقود ولآلائها ووجاهة ملء البصيرة‎ ‎والبصر على مثلها الوقار اقتصر، وخلق ما ‏شابه انقباض وسجية لم تنقد بإعراض، ولم يزل‎ ‎نسيج وحده تأليفا وتقريرا وحديثا حسنا تسطيرا ‏وتحريرا حتى شرب الكأس المورود وذوت‎ ‎من روض محاسنه تلك الورود فتنفذ عليه البصر والدمع ‏وعمى البصر والسمع بلل الله‎ ‎بالرحمة ثراه فهو ممن أخذت عنه الإسناد وأمدني بقراءتي عليه بما ‏ينفع إن شاء الله‎ ‎يوم التناد وله شعر موزون يتسلى به الواله المحزون‏.‏‎ ‎
ولصاحب الترجمة أشعار غير التي ذكرناها ‏(‏أورد له المرادي كثيرا من‎ ‎نظمه في سلك الدرر‏)‏ ‏وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذين لهم القدم العالية ‏(‏في الأصل‎ ‎العالي‏)‏ في العلوم والرسوخ‏.‏‎ ‎
وكانت وفاته بدمشق في محرم الحرام افتتاح سنة اثنتين وستين ومائة‎ ‎وألف، ودفن بتربة الشيخ ‏أرسلان رضي الله عنه‏.‏‎ ‎

************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
النسفى


عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن‎ ‎لقمان‎ ‎النسفي ثم السمرقندي‎ .
قال‎ ‎ابن السمعاني‎ : ‎كان إماماً فاضلاً مبرزاً متفنناً . صنف في كل نوع من العلم‎ ‎، في التفسير ، والحديث ، ‏والشروط وبلغت تصانيفه المائة وله شعر حسن ، ونظم‎ ‎الجامع الصغير‎ ‎ل‎ ‎محمد بن الحسن‎ ‎،‎ ‎وهو صاحب ‏كتاب‎ ‎القند في ذكر علماء سمرقند‎
ولد سنة‎ ‎إحدى وستين وأربعمائة ومات في ثاني عشر جمادي الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة

*********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الألوسى


تمتعت الأسرة الآلوسية بمنزلة رفيعة وتقدير عظيم لمكانة أبنائها واشتغالهم بالعلم ‏وتصدرهم للدرس والإفتاء والقضاء في بغداد. وأصل هذه الأسرة من جزيرة آلوس في نهر ‏الفرات، ومن هنا جاءت التسمية، وقد ارتحل عميد هذه الأسرة الكريمة السيد محمود الخطيب ‏الآلوسي إلى بغداد واتخذها وطنًا في الثلث الأخير من القرن القرن الثاني عشر الهجري، وكان ‏عالمًا صالحًا، أحسن تربية أبنائه وتعليمهم، فساروا في طريقه، وجلسوا للتدريس والقضاء، ‏وتعاقب أحفاده يحملون راية آبائهم في تواصل جاد وعمل مثمر حتى يومنا هذا، غير أن الذي ‏طير شهرة العائلة، وجعلها محط الأنظار هو الإمام أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله ‏صلاح الدين بن محمود الخطيب الآلوسي. ‏

المولد والنشأة ‏
ولد أبو الثناء محمود الآلوسي في بغداد في (15 شعبان 1217 هـ = 11 من ديسمبر ‏‏1803م). ‏
ونشأ في بيت علم وفضل، فأبوه واحد من كبار علماء بغداد، وكان بيته كعبة للعلماء ‏والطلاب، حيث تعقد جلسات العلم وتطرح سائله وقضاياه المختلفة في الفقه والحديث والتفسير ‏والنحو والبلاغة والبيان وغيرها من العلوم. ‏
وفي هذا الجو العلمي نشأ الصبي الصغير، وتعلقت عيناه بأبيه وهو يراه يتصدر تلك ‏الحلقات مناقشًا ومحاورًا ومعلمًا، ويلقى من الحاضرين أسمى آيات التقدير والإعجاب، وسمت ‏نفس الصبي إلى طلب العلم وتحصيله، وكان في نفسه استعداد عظيم للعلم، وحافظة قوية تلتهم ‏ما تقرأه، وهمة عالية في المثابرة على المذاكرة، ولم تمض عليه سنوات قليلة حتى كان قد أتم ‏حفظ المتون في الفقه والنحو والعقيدة والفرائض قبل أن يتم الرابعة عشرة من عمره. ‏
ولم يقتصر الآلوسي في طلب العلم على والده، بل اتجه إلى حلقات غيره من أفذاذ العلماء ‏في عصره، فاتصل بالشيخ علي السويدي، وأمين الحلي، وخالد النقشبندي، وعبد العزيز ‏الشواف، ثم تطلعت همته إلى السفر إلى بيروت ودمشق، ليتتلمذ على علمائها. ‏

علاقته بداود باشا ‏
وفي تلك الفترة كانت العراق قد شهدت بواكير نهضة مباركة قام عليها داود باشا والي ‏بغداد النابه، فاستقدم عددًا من الخبراء الأوروبيين وعهد إليهم بإنشاء المصانع وبناء المدارس، ‏وأقام مطبعة حديدة، وأصدر صحيفة سماها جرنال العراق، وأعاد تعمير المساجد القديمة، ‏وعين بها جماعة من العلماء للتدريس، وكان لهذه الجهود أثر لا ينكر في تحريك الحياة ‏الراكدة، وكان من الطبيعي أن يجد الفتى النابه في داود باشا رمزًا للنهوض واليقظة، فوقف ‏معه وعاونه. ‏
ولما اشتد الخلاف بين داود باشا والدولة العثمانية، وكان هو واليا من قبلها وقف الآلوسي ‏في صف الوالي وآزره، وحشد الرأي العام في تأييده ومعاونته ضد الجيش العثماني الذي أحكم ‏الحصار على بغداد، وشاءت الأقدار أن ينتشر الطاعون في بغداد فيعصف بالأهالي في غير ‏رحمة، وزاد الأمر سوءا فيضان دجلة بمياه كاسحة أغرقت المدينة، ولم يجد داود باشا فائدة من ‏المقاومة فاستسلم للجيش العثماني. ‏
وجاء قائد الحملة ليبحث عن رجال داود باشا ومعاونيه ويزج بهم في السجون، وكان ‏الآلوسي واحدا ممن طالتهم المحنة، وحلت بهم المصيبة، وزجوا في السجون. ‏

في كنف الوالي الجديد ‏
غير أن نباهة الآلوسي وسعة علمه بلغت مسامع الوالي الجديد رضا باشا، فطلب بعض ‏مؤلفاته ليقرأها وكان على حظ من المعرفة، فنالت إعجابه، وأصدر أمرًا بالإفراج عن الآلوسي ‏وعينه خطيبًا لجامع الشيخ عبد القادر الجيلي، وكان يحضر دروسه، فأعجب بحسن بيانه ‏وغزارة علمه، واتفق أن أنجز كتابه "كتاب البرهان في إطاعة السلطان" فقدمه إليه، فأجازه ‏عليه بتولية أوقاف مدرسة مرجان التاريخية، وكانت لا تُعطي إلا للجهابذة من العلماء، ثم ولاه ‏منصب الإفتاء في بغداد وهو في الثلاثين من عمره، تقديرًا لعلمه وكفايته ونبوغه وذكائه، كان ‏يشترط فيمن يتولى هذا المنصب الجليل في الدولة العثمانية أن يكون حنفي المذهب؛ لأنه ‏المذهب الرسمي للدولة، وعلى الرغم من كون الآلوسي شافعي المذهب فإنه استطاع في فترة ‏قصيرة أن يدرس المذهب في أوسع كتبه ومدوناته الكبيرة، وأن يلم بقضاياه ومسائله. ‏
ولما ظهرت نعمة الله على الآلوسي واتسع رزقه، اشترى دارًا واسعة، وجعل قسمًا منها ‏مسكنًا لطلابه الذين يغدون إليه من أطراف العراق وكردستان لتلقي العلم عليه، ولم يكتف ‏الآلوسي باستقبالهم في مسكنه، وإنما امتدت إليه مظلة كرمه، فكان يطعمهم ويتكفل بهم. ‏

محنته ‏
لم يمكث رضا باشا في ولايته على العراق طويلا، فحل مكانه محمد نجيب، ولم يجد ‏الآلوسي في ظل ولايته ما كان يجده عند الوالي السابق من التقدير والإجلال، بل ضاق من ‏مكانته ونفوذه العلمي في بغداد، فانتهز فرصة اشتعال مظاهرة ضده واتهم الآلوسي بأنه الذي ‏يقف خلفها، وسارع بغزله عن الإفتاء، وحاربه في رزقه، وحال بينه وبين السفر إلى الأستانة ‏لمقابلة الخليفة العثماني. ‏
واضطرته هذه الظروف الصعبة إلى بيع أثاث بيته حتى يتمكن من الإنفاق على بيته ‏وعلى العشرات من طلابه الذين يسكنون بيته، وكانت في الشيخ عزة نفس وإباء، فلم يشأ أن ‏يعلن عن ضيق ذات يده، وفي الوقت نفسه انشغل بإكمال تفسيره للقرآن حيث كان يجد فيه ‏السلوى عما به من ضيق، حتى إذا انقضت سنوات المحنة انطلق إلى الأستانة ومعه تفسيره ‏‏(1267 هـ = 1851م). ‏

الرحلة إلى الأستانة ‏
وفي دار الخلافة العثمانية استقبله محمد عارف حكمت شيخ الإسلام استقبالا حسنًا، ‏وأشار عليه أن يكتب إلى الصدر الأعظم مذكرة عن حاله وما يرجوه، فكتب إليه، فأعجب ‏الصدر الأعظم بما كتب، ونعم برضا الخليفة عبد المجيد، الذي رتب له مالا جزيلا كل عام، ‏وعاد إلى بغداد بعد أن مكث في دار الخلافة واحدًا وعشرين شهرًا، وخرجت بغداد كلها في ‏استقباله. ‏

مؤلفاته ‏
ترك الآلوسي مؤلفات كثيرة، إذ كان ذا قلم سيال، وفكر متدفق، ومنطق منظم، وبدأ ‏التأليف منذ فترة باكرة وهو في الثالثة عشرة، ثم تتابعت مؤلفاته تترى في حياته المديدة، ومن ‏هذه المؤلفات: ‏
‏- الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية، وهو إجابة لأسئلة بعث بها إليه أهالي الهند ‏يستفتونه في بعض المسائل، وقد أجازه السلطان العثماني محمود الثاني على هذا الكتاب جائزة ‏سنية (قيمة). ‏
‏- الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية، ويحتوي على ثلاثين مسألة مهمة في الفقه ‏والتفسير واللغة والمنطق. ‏
‏- نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول، ودون فيه رحلته إلى عاصمة دار الخلافة ‏واصفًا ما نزل به المدن، ومن قابله من الناس، وهي تعد وثيقة تاريخية تسجل فترة زمنية من ‏التاريخ الاجتماعي والثقافي لأمتنا. ‏
‏- سُفْرة الزاد لسَفْرة الجهاد، دعا فيها المسلمين إلى اليقظة علميًا واقتصاديًا وعسكريًا، ‏وأعلن أن الجهاد فريضة محتومة أمام اعتداءات الاستعمار. ‏

روح المعاني ‏
غير أن أجل إنتاج الآلوسي وأعظم آثاره التي جعلت له اسمًا مدويًا، وجلبت له الذيوع ‏والشهرة، وأنزلته منزلة رفيعة بين كبار العلماء هو تفسيره المعروف بـ"روح المعاني" في ‏تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، وهو تفسير جامع لخلاصة كل ما سبقه من التفاسير مثل ‏تفسير ابن عطية وتفسير أبي حيان، والكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود وتفسير ‏البيضاوي وتفسير الفخر الرازي، وصاغ من ذلك كله تفسيره بعد أن أطال النظر فيما قرأ، ‏ووازن وقارن ورجح ما اختاره، معتمدًا على زاد كبير من الثقافة الواسعة في علوم الشرع ‏واللغة. ‏
وتوسع الآلوسي في تفسيره في المسائل البلاغية، وعني بمسائل النحو ولزم حدود ‏الاعتدال في مناقشة الآراء الفقهية المخالفة للمذهب الحنفي. ‏

وفاة الآلوسي ‏
كان الآلوسي إمامًا لمدرسة كبيرة امتدت به، وتأثرت بطريقته ومنهجه في التأليف، ولولاه ‏لربما تاخرت النهضة العلمية في العراق؛ لأن تلاميذه حملوا رايته ونهجوا طريقته، فاتصل ‏تأثيره في الأجيال اللاحقة ولم ينقطع، وقد مدح في حياته ورثي بعد مماته بأشعار كثيرة لم تتح ‏نظائرها إلا للملوك والأمراء، وقد جمع تلميذه الأديب عبد الفتاح الشواف، وابنه أبو البركات ‏نعمان خير الدين هذه الأشعار في كتاب كبير من مجلدين سمياه: حديقة الورود في مدائح أبي ‏الثناء محمود. ‏
ولم تطل الحياة بعد عودة الآلوسي من عاصمة دار الخلافة، حيث لقي ربه في (25 من ‏ذي القعدة سنة 1270 هـ = 19 أغسطس 1854م). ‏



من مصادر الدراسة: ‏
‎•‎ محمد حسين الذهبي – التفسير والمفسرون – مكتبة وهبة – القاهرة. ‏
‎•‎ محمد رجب البيومي – النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار ‏القلم – دمشق – 1415 هـ = 1995م. ‏
عباس العزاوي – ذكرى أبي الثناء الآلوسي – بغداد – 1958م. ‏
‎•‎ محمد بهجة الأثري – الألسيون – موسوعة الحضارة الإسلامية (فصلة تجريبية ‏‏– عماده 1989م. ‏


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
ابن الجوزى



حظي "ابن الجوزي" بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما ‏برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي ‏العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.‏
هو "أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن ‏جعفر" وينتهي إلى "أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.‏
ولد ببغداد سنة [ 510هـ= 1116م] وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، ‏حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية.‏
وقد عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز ‏سواها، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.‏
وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد " ‏محمد بن ناصر الحافظ" ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد ‏لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: "لم أستفد من أحد استفادتي منه".‏

شيخوخة وأساتذته
تعلم "ابن الجوزي" على عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم:‏
‎•‎ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر [ 467 ـ 550 هـ= ‏‏1074- 1155م]: وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو ‏أول معلم له.‏
‎•‎ أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ 465- 540هـ= ‏‏1072م-1145م]: وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة ‏والأدب.‏
‎•‎ أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-‏‏531هـ=1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث.‏
‎•‎ أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-‏‏539هـ= 1062-1144م] وقد أخذ عنه القراءات.‏

منزلته ومكانته
كان "ابن الجوزي" علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد ‏جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر ‏مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته ‏زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى ‏المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.
يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن ‏واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا ‏يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات".‏

مجالس وعظه
بدأ "ابن الجوزي" تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن ‏جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، ‏فلم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية ـ على مر العصور ـ مجلسًا كمجلس "ابن الجوزي" ‏يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.
وكان يحضر مجلسه الخلفاء والأمراء والسلاطين والوزراء، وكان مجلسه بإزاء داره على ‏شاطئ "دجلة" بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم ‏يصعد "ابن الجوزي" المنبر، ويبتدئ القرّاء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية ‏مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة بدأ "ابن الجوزي" خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها ‏القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما ‏يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع ‏وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.‏

أقوال العلماء فيه
اتفق العلماء والأدباء على الثناء على "ابن الجوزي" فمدحوا علمه وورعه ومهارته في ‏الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.
قال عنه "ابن كثير": "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع ‏المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف".‏
وقد وصفه "ابن الجزري" بأنه: "شيخ العراق وإمام الآفاق".‏
وقال عنه "ابن العماد الحنبلي": "كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم ‏النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة".‏
وقال عنه "ابن جبير": "آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في ‏العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في ‏البلاغة والبراعة".‏
وقال عنه "شمس الدين الذهبي": "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا ‏الرجل".

مؤلفاته

تميز "ابن الجوزي" بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت ‏الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث ‏والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:‏
‎•‎ أخبار الظرّاف والمتماجنين.‏
‎•‎ أخبار النساء.‏
‎•‎ أعمار الأعيان.‏
‎•‎ بستان الواعظين.‏
‎•‎ تلبيس إبليس.‏
‎•‎ تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.‏
‎•‎ تاريخ بيت المقدس.‏
‎•‎ تحفة المودود في أحكام المولود.‏
‎•‎ الثبات عند الممات.‏
‎•‎ جواهر المواعظ.‏
‎•‎ الجليس الصالح والأنيس الناصح.‏
‎•‎ حسن السلوك في مواعظ الملوك.‏
‎•‎ ذم الهوى.‏
‎•‎ زاد المسير في علم التفسير.‏
‎•‎ سيرة عمر بن عبد العزيز.‏
‎•‎ صفوة الصفوة.‏
‎•‎ صيد الخاطر.‏
‎•‎ الطب الروحاني.‏
‎•‎ فنون الأفنان في علوم القرآن.‏
‎•‎ كتاب الأذكياء.‏
‎•‎ كتاب الحمقى والمغفلين.‏
‎•‎ لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.‏
‎•‎ لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.‏
‎•‎ مناقب عمر بن الخطاب.‏
‎•‎ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.‏
‎•‎ الناسخ والمنسوخ في الحديث.‏
‎•‎ الوفا في فضائل المصطفى.‏
‎•‎ اليواقيت في الخطب.‏

شعره
كان "ابن الجوزي" شاعرًا مجيدًا إلى جانب كونه أديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا، وله أشعار ‏حسنة كثيرة، منها قوله في الفخر:‏
مازلت أدرك ما غلا بل ما علا ** وأكابد النهج العسير الأطولا
تجري بي الآمال في حلباتـه ** جري السعيد إلى مدى ما أمّلا
لو كان هذا العلم شخصًا ناطقًا ** وسألته: هل زار مثلي؟ قال: لا
ومنها قوله في الزهد والقناعة:‏
إذا قنعت بميسور من القوت ** بقيت في الناس حرًا غير ممقوت
يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي ** فلست آسي على در وياقوت
وأوصى أن يُكتب على قبره:‏
يا كثير العفو عمن ** كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو ** الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء ** الضيف إحسان لديه

وفاته
توفي "ابن الجوزي" ليلة الجمعة [ 12 من رمضان 597هـ= 16 من يونيو 1200] عن ‏عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، ‏حتى أقفلت الأسواق، فكان ذلك يومًا مشهورًا مشهودًا، يشهد بمكانة "ابن الجوزي" وحب الناس ‏له.‏



من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي-‏تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ـ دار هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة [ ‏‏1419هـ= 1998م].‏
‎•‎ شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفتح عبد الحي بن العماد الحنبلي ـ ‏دار إحياء التراث العربي ـ بيروت [د.ت].‏
‎•‎ العبر في خبر من غبر: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي- تحقيق: ‏أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت: ‏‏[1405هـ= 1985مم]‏
‎•‎ الكامل في التاريخ: ابن الأثير: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد بن عبد ‏الكريم بن عبد الواحد الشيباني- دار صادر ـ بيروت ـ [د.ت].‏
‎•‎ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن ‏تغري بردي الأتابكي ـ تحقيق: محمد حسين شمس الدين ـ دار الكتب العلمية ـ ‏بيروت: [1413هـ= 1992م].‏
‎•‎ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن ‏أبي بكر بن خلكان ـ تحقيق: د. إحسان عباس ـ دار الثقافة ـ بيروت [د.ت].‏

************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
ابن الصلاح



حمل الأئمة المحققون من السلف الصالح تكاليف الجهاد العلمي منذ أن نشطت حلقات ‏العلم، وازدهرت حركة التأليف في القرون الأولى، وكان كل جيل يسلم ما لديه من أمانة العلم ‏إلى من خلفه، فيحمل المشعل المتّقد، ويصونه ويسدّ ثغراته، ويكمل ما يحتاج إلى إكمال ‏وتنظيم.‏
وفي الوقت الذي نشطت فيه حركة جمع الحديث، ووضع المؤلفات الجامعة، كانت توضع ‏الضوابط الدقيقة للأسانيد والرواة، والآليات التي تمكّن من البصر بعلل المرويات ومظان الوهم ‏أو التدليس والخطأ.‏
وكان جهابذة المحدثين يجمعون بين الاشتغال بالرواية والجمع وتصنيف السنن والصحاح ‏من جانب، والبصر بالأسانيد ومعرفة الرجال: كأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم من جانب ‏آخر، وقد يغلب جانب على آخر، فتغلب مشاركة صاحبه في التأليف فيه.‏
وكانت دواوين السنة أسبق في الظهور من الكتب التي تتعلق بعلم الحديث الذي يتناول ‏الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة، وشروطهم، وأصناف الكتب التي تجمع ‏الحديث من الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وغيرها.‏
ويعد القاضي "أبو محمد الرامَهُرمزي" المتوفى سنة (360 هـ = 970م) أول من صنف ‏في هذا الفن الذي يُعرف بعلم الحديث، وقعّد قواعده، وأرسى أصوله، في كتابه "المحدث ‏الفاصل بين الراوي والواعي"، وإن لم يستوعب جميع أبحاث هذا الفن، ثم جاء الحاكم ‏النيسابوري، صاحب "المستدرك على الصحيحين" المتوفَّى سنة (405هـ = 1014م)، فخطا ‏بهذا الفن خطوات واسعة، في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وهو الكتاب الذي سار على نهجه ‏من صنفوا بعده الكتب الجامعة في علوم الحديث.‏
ثم جاء الحافظ أبو بكر البغدادي المتوفى سنة (463هـ=1070م)، فعكف على تحرير ‏مناهج المحدثين من شوائب الخلل التي طرأت عليها، فصنف عدة كتب لمعالجة هذا الأمر، ‏فوضع في أصول الحديث كتابه "الكفاية في علم الرواية"، وألف في آداب الرواية كتابه "الجامع ‏لآداب الشيخ والسامع".‏

وأسهم علماء المغرب في هذا الفن، وكان قد صار دار حديث ورواية، وأنجب أفذاذًا من ‏المحدثين، فيضع حافظ المغرب "القاضي عياض" المتوفى سنة (544هـ = 11449م) كتابه ‏المعروف "الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع".‏
وفي القرن السابع الهجري يتقدم "ابن الصلاح" المتوفى (643هـ=1245م) فيحيي تراث ‏السلف الصالح في هذا الفن، ويعيد إليه حيويته ونضارته بكتابه المعروف بـ"مقدمة ابن ‏الصلاح"، الذي يعد عمدة في المنهج النقلي لتوثيق المصادر وتحقيق النصوص في مجال ‏الدراسات الإسلامية.‏

المولد والنشأة
في سنة (577 هـ = 1181م) وُلد "تقي الدين عثمان بن الصلاح عبد الرحمن بن عثمان" ‏في بلدة "شرخان" قرب "شهرزور" التابعة لإربل بالعراق، وغلب عليه لقب أبيه الصلاح عبد ‏الرحمن، فصار لا يعرف إلا به. وكان والده من مشايخ بلدته، فأولاه عنايته؛ حيث عهد به إلى ‏من حفّظه القرآن وعلمه التجويد، ثم تلقى على يديه علومه الأولى في الفقه، وقد أرسله إلى ‏‏"الموصل" فسمع الحديث من "أبي جعفر عبيد الله بن أحمد" المعروف بابن السمين، فكان أول ‏شيوخه بعد أبيه، ثم تردد على عدد من علماء الموصل يسمع منهم الحديث، ولزم أستاذه "عماد ‏الدين أبا أحمد بن يونس" الذي اصطفاه معيدًا له، فأقام لديه فترة، ثم بدأ الرحلة في طلب ‏الحديث، فرحل إلى همذان ونيسابور ومرو وبغداد ودمشق يسمع من أعلامها ويروي عنهم.‏

الاشتغال بالتدريس
وبعد هذه السياحة الطويلة في طلب العلم، استقر في مدينة القدس في بادئ الأمر مدرسًا ‏بالمدرسة الصلاحية نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، وأقبل الناس عليه لِمَا رأوا من علمه ‏وتقواه، ثم انتقل إلى دمشق تسبقه شهرته وفضله، فتولى التدريس في المدرسة الرواحية، ولَمّا ‏بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل دار الحديث الأشرفية، تولى ابن الصلاح أمرها والتدريس ‏بها، ثم عهد إليه- إلى جانب ذلك- التدريس في مدرسة "ست الشام"، وهي المدرسة التي ‏أنشأتها "زمرد خاتون" بنت "أيوب" زوجة "ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه" صاحب حمص.‏
ويذكر المؤرخ الكبير ابن خلكان أنه قدم عليه في (شوال 632هـ=مايو 1235م) وأقام ‏عنده، وذكر أنه كان يقوم بوظائفه على خير وجه دون إخلال، وقد تتلمذ عليه كثيرون، منهم: ‏ابن خلكان، وفخر الدين عمر بن يحيى الكرجي، وزين الدين الفارقي، وغيرهم.‏

مقدمة ابن الصلاح
لم تشغله أعباء مناصبه عن الفتيا والتأليف، فصنّف في علوم الحديث والرواية، والرجال ‏والفقه، بالإضافة إلى شروحه وأماليه وفتاواه، ومن تلك المؤلفات: "شرح صحيح مسلم"، و"أدب ‏المفتي والمستفتي"، و"طبقات فقهاء الشافعية"، و"مشكل الوسيط في فقه الشافعية"، و"مقدمة ابن ‏الصلاح في علوم الحديث"، وقد جمع في هذا الكتاب ما انتهت إليه جهود العلماء الذين سبقوه ‏من المشارقة والمغاربة، وأحسن تصنيفها وثبوتها.‏
وقد تلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول، واستأثر بمنزلة خاصة عند العلماء في عصر ابن ‏الصلاح والعصور التي تلته، وتتابع عليه العلماء شرحًا وتلخيصًا ونظمًا، وعَدُّوه من أحسن ما ‏صنف أهل الحديث في معرفة اصطلاح الحديث.‏
فلخصه الإمام محيي الدين النووي المتوفى سنة (676هـ = 1277م) في كتاب سماه ‏‏"الإرشاد إلى علم الإسناد"، ثم اختصر التلخيص في كتابه "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير ‏النذير"، وهو الذي شرحه الحافظ السيوطي في كتابه التدريب، كما اختصر المقدمة قاضي ‏القضاة "بدر الدين بن جماعة" المتوفى سنة (733هـ=1332م) في كتابه "مختصر مقدمة ابن ‏الصلاح".‏
وقد نظّم قاضي "القضاة شهاب الدين الخولي" المتوفى سنة (693هـ = 12933م) مقدمة ‏ابن الصلاح شعرًا في أرجوزته "أقصى الأمل والسول في علوم أحاديث الرسول"، وقام بهذا ‏العلم أيضًا الحافظ "زين الدين العراقي" في ألفيته (أي ألف بيت) المعروفة بألفية العراقي، ‏وعمل لها شرحًا سماه "فتح المغيث".‏
وقام جماعة من كبار حفاظ الحديث فوضعوا شروحًا لتلك المقدمة، يأتي في مقدمتها: ‏‏"محاسن الاصطلاح" لسراج الدين البلقيني المتوفى (805هـ=1402م)، و"التقييد وإيضاح لما ‏أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح" لزين الدين العراقي المتوفى (806هـ=1403م)، ويجدر ‏بالذكر أن الدكتورة "عائشة عبد الرحمن" قد نشرت في مصر مقدمة "ابن الصلاح" مع كتاب ‏‏"محاسن الاصطلاح" نشرة علمية دقيقة، مع مقدمة نفيسة، سنة (1394هـ = 1974م).‏

وفاة ابن الصلاح
وبعد حياة حافلة تُوفي ابن الصلاح في دمشق في سحر الأربعاء الموافق (25من ربيع ‏الآخر 643هـ = 19من سبتمبر 1245م)، وقد ازدحم الناس للصلاة عليه، وتم دفنه في مقابر ‏الصوفية.‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى- تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ‏ومحمود محمد الطناحي- هجر للطباعة والنشر- القاهرة (1413 هـ = 1992). ‏
‎•‎ ابن خلكان- وفيات الأعيان- تحقيق إحسان عباس- دار صادر- بيروت- ‏بدون تاريخ. ‏
‎•‎ الذهبي- سير أعلام النبلاء- تحقيق بشار عواد معروف ومحيي هلال ‏السرحان- المجلد (23)- مؤسسة الرسالة- بيروت (1412 هـ = 1992م). ‏
‎•‎ عائشة عبد الرحمن- مقدمة تحقيقها لكتابي مقدمة ابن الصلاح ومحاسن ‏الاصطلاح- دار الكتب المصرية- القاهرة (1994م).‏

********************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
أبو بكر الطرطوشى



كان المسلمون الأوائل يعتقدون أن الإقامة في الرباطات والحياة في الثغور نوع من ‏الجهاد، لأنهم يحرسون الحدود ويكونون طلائع الجيوش الإسلامية التي تصد هجمات الأعداء، ‏وكانت الإسكندرية واحدة من تلك الثغور التي احتشدت بالمجاهدين والمرابطين منذ فتحها ‏عمرو بن العاص وأشرق عليها نور الإسلام، وجذبت إليها عددًا كبيرًا من المسلمين وبخاصة ‏من المغرب والأندلس.‏
وكان المسلمون في هذه البلاد النائية يمرون بالإسكندرية وهم في رحلتهم الشاقة إلى ‏الحجاز للقيام بمناسك الحج، أو في طريقهم إلى حواضر العلم في المشرق الإسلامي لتلقي العلم ‏ومشافهة العلماء والأخذ منهم، فإذا ما ألقوا رحالهم وطلبوا الراحة من وعثاء السفر، عاودوا ‏رحلتهم إلى حيث يريدون.‏
وكان كثير من هؤلاء المارين تجذبهم الحياة في الإسكندرية فيقيمون بها ويتخذونها موطنًا ‏لهم، فينالون شرف المرابطة في الثغور، أو المساهمة في إثراء حلقات العلم التي كانت تمتلئ ‏بها مساجد الإسكندرية، وذلك إن كانوا من حملة العلم والفقه.‏
وازداد توثق الإسكندرية بالمغرب قوة وترابطًا بعد قيام الدولة الفاطمية، وهي التي قامت ‏في بلاد المغرب ثم انتقلت إلى مصر وأنشأت القاهرة واتخذتها عاصمة لها، وأصبح المغرب ‏منذ ذلك الحين ولاية تابعة لمصر، وكان من شأن هذا أن كثرت رحلات المغاربة والأندلسيين ‏إلى مصر وإلى ثغرها البديع، ومن بين من جذبتهم الإسكندرية للحياة فيها العالم الزاهد والفقيه ‏الكبير: أبو بكر الطرطوشي.‏

المولد والنشأة
في مدينة طرطوشة الأندلسية ولد أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف المعروف بأبي بكر ‏الطرطوشي نسبة إلى بلده، وهي مدينة كبيرة تقوم على سفح جبل إلى الشرق من مدينتي بلنسية ‏وقرطبة، بينها وبين البحر المتوسط عشرون ميلا، ومحاطة بسور منيع له أربعة أبواب، وبها ‏دار لصناعة السفن، وتزدهر بها التجارة، وتعمر أسواقها بالبضائع وكان مولده في (26 من ‏جمادى الأولى 451 هـ = 10 من يوليو 1059م).‏
وكانت طرطوشة يومئذ ثغر مملكة سرقطسة التي تتمتع في ظل أمرائها من بني هود ‏بالرخاء وسعة العيش، وفي الوقت نفسه كانت من حواضر العلم في الأندلس، وتموج بالعلماء ‏وحلقاتهم التي تمتلئ بطلبة العلم، وكان أبو الوليد الباجي أحد علمائها الكبار الذين تُشدّ إليهم ‏الرحال، وعُدّ إمام عصره في الفقه وفي مسائل الخلاف.‏
حفظ الطرطوشي في بلده القرآن، وتعلم مبادئ القراءة والكتاب، ودرس شيئا من الفقه قبل ‏أن ينتقل إلى مدينة سرقسطة ويتصل بكبير علمائها أبي الوليد الباجي، ويتتلمذ عليه وهو في ‏العشرين من عمره أو نحوها، أي حوالي سنة (470 هـ = 1077م)، وظل ملازمًا له ينهل من ‏علمه الواسع ويتأثر بمنهجه في التفكير.‏

الرحلة إلى المشرق
غادر الطرطوشي وطنه سنة (476 هـ = 1083م) وهو فتى غض الإهاب في السادسة ‏والعشرين إلى المشرق العربي، فنزل مكة، وأدى مناسك الحج وألقى بعض الدروس، ثم قصد ‏بغداد حاضرة الخلافة العباسية، وملتقى أئمة العلم، ومحط طلاب المعرفة من أرجاء الدنيا، ‏وكان الوزير نظام الملك قد أنشأ المدارس التي سميت باسمه "المدارس النظامية" وكان أول من ‏أنشأ معاهد مستقلة للعلم، يتفرغ فيها المعلمون للتدريس والتلاميذ للتعلم، وأوقف عليها أموالا ‏طائلة حتى تنهض برسالتها السامية، وقد شهد الطرطوشي نظامية بغداد وهي في أوج تألقها ‏وازدهارها، وتتلمذ بها.‏
وفي بغداد تفقه الطرطوشي على عدد من أعلام بغداد، فتتلمذ على كبير الفقهاء الشافعية ‏في بغداد أبي بكر الشاشي، وكان يتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ولزم أبا أحمد الجرجاني، ‏وأبا سعد بن المتولي، وهم يومئذ أئمة الفقه الشافعي، ثم رحل إلى البصرة وتتلمذ فيها على أبي ‏علي التستري المتوفى سنة (479 هـ = 1086م) وسمع منه سنن أبي داود.‏
ثم رحل إلى الشام، وطوّف في مدنه، فزار حلب وإنطاكية ونزل بمدينة بيت المقدس –رد ‏الله غربتها، وأعادها إلى أحضان المسلمين، وخلصها من رجس اليهود-، وتجمع المصادر التي ‏ترجمت له على أنه قضى الفترة التي عاشها في الشام معلمًا متمكنًا تهفو إلى علمه النفوس ‏وتقبل عليه القلوب، وكان لزهده وورعه أثر في ذلك فاجتمع عليه الناس أينما حل.‏

في الإسكندرية
اتجه الطرطوشي بعد إقامته في الشام فترة من عمره إلى الإسكندرية تسبقه سمعته الطيبة ‏وتهيئ له مكانًا في القلوب، فاشتاقت إلى رؤيته، ونزل الثغر في سنة (488 هـ = 1095م) ‏وكانت مصر في تلك الفترة قد أمسك بزمامها الوزير الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي، الذي ‏استبد بالحكم دون الخلفاء الفاطميين، فلم يعد لهم حول ولا قوة، وأصبح تصريف الأمور كلها ‏في يد الوزير القوي.‏
استقر الطرطوشي في الإسكندرية وأقبل عليه طلاب العلم، وامتلأت حلقاته الدراسية ‏بالراغبين في تعلم الفقه والحديث ومسائل الخلاف، ولم يمض وقت على مجيئه حتى تزوج ‏بسيدة موسرة من نساء الإسكندرية، فتحسنت أحواله ولانت له الحياة، ووهبته دارًا من أملاكها، ‏فاتخذ من دورها العلوي سكنا له معها، وجعل طابقها السفلي مدرسة يلقي فيها دروسه.‏

الدين النصيحة
وبعد أن استقرت به الحياة خرج الطرطوشي إلى القاهرة عاصمة البلاد وحاضرة الخلافة ‏الفاطمية، وفي أثناء إقامته هناك زار الوزير الكبير الأفضل بن بدر الجمالي، لا ليمدحه أو يقدم ‏له آيات الشكر، وإنما لينصحه ويعظه دون نظر إلى مكانته وهيبته، فقد امتلأ قلب الطرطوشي ‏بخشية الله والخوف منه، فانتزع منه كل خوف لما سواه، واستوى عنده كل شيء، وهذا ما عبر ‏عنه أحد الصالحين حين شاهد الطرطوشي وحضر دروسه في الشام فقال: "الذي عند أبي بكر ‏الطرطوشي من العلم هو الذي عند الناس، والذي عنده مما ليس مثله عند غيره.. دينه".‏
ومما قاله الطرطوشي لهذا الوزير: "... واعلم أن هذا الملك الذي أصبحت فيه إنما صار ‏إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يديك مثل ما صار إليك؛ فاتق الله فيما حولك من هذه ‏الأمة، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل، قال الله تعالى: "فوربك لنسألنهم أجمعين عما ‏كانوا يعملون".‏

العلم في الهواء الطلق
عاد الطرطوشي إلى الإسكندرية ليستأنف نشاطه وسيرته الأولى مع تلاميذه الذين التفوا ‏حوله، وكانت له طريقة محببة جعلت قلوب تلامذته تتعلق به وتأنس معه، فلم يكتف بما يعقده ‏لهم من حلقات دراسية في بيته أو في المسجد، بل كان يصطحبهم في رحلات إلى البساتين ‏والأماكن الجميلة، وهناك في الهواء الطلق يلقي دروسه أو يذكرهم بما حفظوه ودروسه.‏
وأترك أحد تلامذته يصف لنا ما يحدث في تلك الرحلات حيث يقول: "كان صاحب نزهة ‏مع طلبته في أكثر الأوقات، يخرج معهم إلى البستان، فيقيمون الأيام المتوالية في فرحة ‏ومذاكرة ومداعبة مما لا يقدح في حق الطلبة، بل يدل على فضلهم وسلامة صدرهم، وخرجنا ‏معه في بعض النزهة فكنا ثلاثمائة وستين رجلا لكثرة الآخذين عنه المحبين في صحبته ‏وخدمته".‏
غير أن هذا الإقبال جلب له خصومة قاضي المدينة "مكين الدولة بن حديد"، وزادها ‏اشتعالا ما كان يثيره الطرطوشي من نقد حول تصرفات القاضي المالية حول المكوس والمغارم ‏الظالمة، وكذلك أطلق الطرطوشي لسانه في نقد كثير من العادات التي تنافي الشرع الحكيم، ‏وقد جمعها في كتاب أطلق عليه "بدع الأمور ومحدثاتها"، وأصدر فتاوى أثارت الرأي العام ‏مثل فتواه بحرمة تناول الجبن الذي يأتي به الروم إلى المدينة.‏
وقد ضاق قاضي المدينة وأعوانه بمسلك الطرطوشي، وبعثوا على الوزير الأفضل ‏بشكاواهم، وصدّر الوزير الأمر على أنه بداية للخروج على النظام وإثارة للشغب، ولا بد من ‏التصرف بشدة مع الطرطوشي الذي اجتمع عليه الناس لعلمه وورعه وزهده، وما كان من ‏الوزير إلا أن بعث في طلب الطرطوشي، فلما قدم عليه قابله مقابلة طيبة، وأمره بالإقامة في ‏مسجد الرصد بالفسطاط، ومنع الناس من الاتصال به، وقرر له راتبًا شهريًا، وسمح لخادمه ‏بالإقامة معه. وظل الطرطوشي محدد الإقامة منذ أواخر سنة (514 هـ = 1120م) حتى ‏‏(شوال سنة 515 هـ = 1121م)، ثم انكشفت الغمة بمقتل الأفضل وتولي مأمون البطائحي ‏أمور الوزارة، فأفرج عن الشيخ وأحسن وفادته.‏

سراج الملوك
عاد الطرطوشي إلى الإسكندرية واستأنف حياته السابقة: حياة الدرس والإقراء، وبدأ ‏يؤلف كتابًا في فن السياسة والحكم، وما يجب أن يكون عليه الراعي والرعية، وأتم هذا الكتاب ‏في سنة واحدة وسماه "سراج الملوك" وتوجه به إلى القاهرة (516 هـ = 1122م) ليقدمه إلى ‏الوزير الجديد "مأمون البطائحي"، فاستقبله أحسن استقبال وجلس بين يديه؛ إمعانًا في التقدير ‏والإجلال، وأغدق عليه عطفه ورعايته.‏
ولم يكن الطرطوشي ليكتفي بالاستقبال الطيب دون أن يعرض عليه ما يراه منافيًا ‏للشرع، وبخاصة فيما يتعلق بالنظم المتبعة للمواريث، حيث كان القضاة الشيعة يفتون بأن ترث ‏البنت كل تركة أبيها إذا كانت وحيدة لا أخ لها ولا أخت، وكان هذا مخالفًا للشرع؛ حيث تحرم ‏العصبة من المشاركة في الميراث، فلما عرض الطرطوشي الأمر على الوزير وذكّره بأن هذا ‏مخالف للمذاهب السُّنّية التي تقضي بألا ترث البنت في هذه الحالة أكثر من نصف التركة، وبعد ‏مناقشة طويلة اعتذر الوزير بأنه لا يملك تغيير ما يقضي به المذهب الشيعي، لكنه وافق على ‏حل وسط يرضي المذهب الشيعي ويرضي ما يقوله الطرطوشي، وأصدر أمرًا للقضاة بأن يُتّبع ‏في الميراث مذهب الميت، فإن كان سنيًا اتُّبع المذهب السني، وإن كان شيعيًا اتبع المذهب ‏الشيعي.‏


موضوع الكتاب
وكتاب "سراج الملوك" يتألف من أربعة وستين فصلا تتناول سياسة الملك وفن الحكم ‏وتدبير أمور الرعية، وقد تناول في كتابه الخصال التي يقوم عليها الملك، والخصال المحمودة ‏في السلطان والتي تمكّن له ملكه، وتسبغ الكمال عليه، والصفات التي توجب ذم السلطان، ‏وعرّج على ما يجب على الرعية فعله إذا جنح السلطان إلى الجور، وتناول صحبة السلطان ‏وسيرته مع الجند، وفي اقتضاء الجباية وإنفاق الأموال.‏
وتحدث الطرطوشي في كتابه عن الوزراء وصفاتهم وآدابهم، وتكلم عن المشاورة ‏والنصيحة باعتبارهما من أسس الملك، وعرض لتصرفات السلطان تجاه الأموال والجباية، ‏ولسياسته نحو عماله على المدن، وتناول سياسة الدولة نحو أهل الذمة، وما يتصل بذلك من ‏أحكام، وتحدث عن شئون الحرب وما تتطلبه من سياسة وتدبير.‏
وللطرطوشي إلى جانب هذا الكتاب القيم عدد آخر من الكتب منها: مختصر تفسير ‏الثعالبي، وشرح لرسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني، في الفقه المالكي، والكتاب الكبير في ‏مسائل الخلاف، وكتاب الفتن، وكتاب الحوادث والبدع، أو بدع الأمور محدثاتها.‏
وكان الطرطوشي إلى جانب تضلعه في أمور الشريعة ومسائل الخلاف أديبًا بارعًا، ‏ويظهر ذلك في أسلوبه الرشيق الجميل في كتابه سراح الملوك، وكان شاعرًا محسنًا، وقد ‏احتفظ كتابه هذا بنماذج طيبة من شعره، ظلت أبيات منها سائرة على الألسنة حتى يومنا هذا، ‏مثل قوله:‏
إن لله عبادًا‎ ‎فطنا طلّقوا الدنيا وخافوا‎ ‎الفتنا
فكروا فيها، فلما‎ ‎علموا أنها ليست لحي‎ ‎وطنا
جعلوها لجّة‎ ‎واتخذوا صالح الأعمال فيها‎ ‎سُفنا

وفاة الشيخ
بلغ أبو بكر الطرطوشي مكانة عالية، وصار من أقطاب الفقه المالكي في عصره، ‏وأصبح ملجأ الناس في الفتوى يلوذون به حتى تضل بهم السبل، ثقة منهم في علمه ودينه ‏وأمانته، وتطلع إليه الحكام التماسًا للرأي والمشورة وطلبا للفتيا فيما يقدمون عليه من أعمال، ‏فطلب منه عاهل دولة المرابطين "يوسف بن تاشفين" فتواه في إقدامه على خلع ملوك الطوائف ‏في الأندلس لانغماسهم في اللهو وانصرافهم عن الرعية، فأفتاه بذلك، متفقًا مع ما أفتى به فقهاء ‏المغرب والأندلس من جواز ذلك.‏
نجح الشيخ أثناء إقامته بالإسكندرية، من إحداث نشاط علمي وافر، وتتلمذ عليه عدد كبير ‏من الفقهاء، حمل بعضهم الراية من بعده، مثل: سند بن عنان الذي خلف الطرطوشي في ‏مدرسته، وأبي طاهر بن عوف، وكانت له مدرسة مستقلة.‏
ظل الطرطوشي يواصل عمله في مدرسته حتى توفي في (26 من جمادى الأولى 520 ‏هـ = 20 من يونيو 1127م) وهو في التاسعة والستين من عمره.‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ ابن خلكان: وفيات الأعيان – تحقيق إحسان عباس – دار صادر بيروت.‏
‎•‎ الذهبي: سير أعلام النبلاء – مؤسسة الرسالة – بيروت – 1412 هـ = ‏‏1992م.‏
‎•‎ جمال الدين الشيال: أبو بكر الطرطوشي – دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ‏‏– القاهرة – 1968م.‏
‎•‎ محمد عبد الله عنان: تراجم شرقية وأندلسية – مكتبة الخانجي – القاهرة – ‏‏1390 هـ= 1970م.‏

**************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
إبن دقيق العيد


لم تكن القاهرة وحدها في العصر المملوكي حاضرة العلم في مصر، ومركز الإشعاع ‏الثقافي وملتقى العلماء والفقهاء، بل نافستها مراكز أخرى في صعيد مصر، امتلأت بالمدارس ‏ودور الحديث، وازدانت بأعلامها من رجال الفقه والحديث واللغة والأدب، وكانت إسنا وقوص ‏وأسيوط وأخميم، وأسوان، ومنفلوط، تموج حركة ونشاطًا، بحلقات العلم التي تحتضنها ساحات ‏المساجد وقاعات المدارس. ويذكر ابن دقماق المؤرخ المصري أنه كان بقوص وحدها ستة ‏عشر مكانًا للتدريس، وبلغ من ازدهار الحركة العلمية بصعيد مصر في تلك الفترة المملوكية أن ‏وضع الأدفوي كتابه المعروف "الطالع السعيد" وخصصه فقط لتراجم نجباء علماء الصعيد.‏

المولد والنشأة
في عرض البحر ولد ابن دقيق العيد، وأبواه متوجهان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج في ‏‏(25 من شعبان 625هـ=31 من يونيو 122م)، ولما قدم أبوه مكة حمله، وطاف به البيت، ‏وسأل الله أن يجعله عالمًا عاملاً.‏
ونشأ ابن دقيق العيد في قوص بين أسرة كريمة، تعد من أشرف بيوتات الصعيد وأكرمها ‏حسبًا ونسبًا، وأشهرها علمًا وأدبًا، فأبوه أبو الحسن علي بن وهب عالم جليل، مشهود له بالتقدم ‏في الحديث والفقه والأصول، وعُرف جده لأبيه بالعلم والتقى والورع، وكانت أمه من أصل ‏كريم، وحسبها شرفًا أن أباها هو الإمام تقي الدين بن المفرج الذي شُدّت إليه الرحال، وقصده ‏طلاب العلم.‏
وتعود سبب شهرته باسم ابن دقيق العيد، أن جده "مطيعًا" كان يلبس في يوم عيد طيلسانًا ‏ناصع البياض، فقيل كأنه دقيق العيد، فسمي به، وعُرف مطيع بدقيق العيد، ولما كان "علي بن ‏وهب" حفيده دعاه الناس بابن دقيق العيد، واشتهر به ابنه تقي الدين أيضًا، فأصبح لا يُعرف إلا ‏به.‏
بدأ ابن دقيق العيد طريق العلم بحفظ القرآن الكريم، ثم تردد على حلقات العلماء في ‏قوص، فدرس الفقه المالكي على أبيه، والفقه الشافعي على تلميذ أبيه البهاء القفطي، ودرس ‏علوم العربية على محمد أبي الفضل المرسي، ثم ارتحل إلى القاهرة واتصل بالعز بن عبد ‏السلام، فأخذ عنه الفقه الشافعي والأصول، ولازمه حتى وفاته. ثم تطلعت نفسه إلى الرحلة في ‏طلب العلم، وملاقاة العلماء، فارتحل إلى دمشق في سنة (660هـ=1261م) وسمع من علمائها ‏ثم عاد إلى مصر.‏

قيامه بالتدريس والتأليف

استقر ابن دقيق العيد بمدينة قوص بعد رحلته في طلب الحديث، وتولى قضاءها على ‏مذهب المالكية، وكان في السابعة والثلاثين من عمره، ولم يستمر في هذا المنصب كثيرًا، ‏فتركه وولى وجهه شطر القاهرة وهو دون الأربعين، وأقام بها تسبقه شهرته في التمكن من ‏الفقه، والمعرفة الواسعة بالحديث وعلومه.‏
وفي القاهرة درس الحديث النبوي في دار الحديث الكاملية، وهي المدرسة التي بناها ‏السلطان الكامل سنة (621هـ=1224م)، ثم تولى مشيختها بعد ذلك، وكان على تبحره في ‏علوم الحديث يتسدد في روايته، فلا يروي حديثًا إلى عن تحرٍّ واحتراز، ومن ثم كان قليل ‏التحديث لا عن قلة ما يحفظه ولكن مبالغة في التحري والدقة. ويصف ابن سيد الناس مكانة ‏شيخه ابن دقيق العيد في هذا الفن بقوله: "وكان للعلوم جامعًا، وفي فنونها بارعًا مقدمًا في ‏معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردًا بهذا الفن النفيس في زمانه". ولابن دقيق العيد كتاب ‏عمدة في علم مصطلح الحديث سماه "الاقتراح في معرفة الاصطلاح" والكتاب مطبوع نشرته ‏وزارة الأوقاف بالعراق.‏
ودرّس الفقه الشافعي في المدرسة الناصرية التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي بجوار قبة ‏الإمام الشافعي، ولما كان شيخًا قد تضلّع في الفقه وأحاط بمسائله في المذهبين المالكي ‏والشافعي؛ فقد قام بتدريسهما في المدرسة الفاضلية.‏
ولم يقف الشيخ الجليل على أدلة المذهبين، والاجتهاد في نطاقهما، وإنما تجاوز ذلك إلى ‏مرحلة الاجتهاد المستقل في بعض ما كان يعرض له من قضايا، حيث كان يستخرج الأحكام ‏من الكتاب والسنة، غير مقلد لأحد في اجتهاده، وقد شهد له معاصروه بالسبق والتقدم في الفقه، ‏وأقروا له بالاجتهاد، فوصفه الإسنوي بأنه "حافظ الوقت خاتمة المجتهد". ويقول الأدفوي: "ولا ‏شك أنه من أهل الاجتهاد ولا ينازع في ذلك إلا من هو من أهل العناد، ومن تأمل كلامه علم ‏أنه أكثر تحقيقًا وأمتن وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدم وأتقن".‏
وله مؤلفات فقهية تنطق بعلو كعبه في هذا الميدان، منها: إحكام الأحكام شرح عمدة ‏الأحكام للعلامة الحافظ عبد الغني النابلسي. وكتاب العمدة يحتوي على مجموعة من الأحاديث ‏مبوبة على أبواب الفقه، مثل باب الطهارة وباب الوضوء، وباب التيمم، وقد قام ابن دقيق العيد ‏بشرح الكتاب، فتصدى لبيان معاني الحديث، وما به من بيان، واستنبط ما فيه من أحكام، ‏وأقوال الفقهاء فيه واختلافاتهم. وقد أملى ابن دقيق العيد هذا الشرح على تلميذه عماد الدين بن ‏الأثير. وقد طُبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة (1342هـ= 1924م) واعتنى بنشره محمد منير ‏الدمشقي.‏
وإلى جانب هذا له شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه، وشرح مختصر الزبيدي في ‏فقه الشافعية، وشرح مختصر ابن الحاجب في فقه المالكية، غير أن هذه الكتب فُقدت ولم يصل ‏إلينا منها شيء.‏
وله جملة من الفتاوى والمباحثات الفقهية والأصولية، لا يجمعها كتاب، وقد أورد السبكي ‏في طبقات الشافعية نماذج منها، وقد صدرها بقوله: "فوائد الشيخ تقي الدين ومباحثه أكثر من ‏أن تُحصى، ولكنها غالبًا متعلقة بالعلم من حيث هو؛ حديثًا وأصولاً وقواعد كلية".‏

الأديب الشاعر

كان ابن دقيق العيد على انشغاله بالفقه والحديث أديبًا بارعًا، وخطيبًا مفوهًا، وشاعرًا ‏مجيدًا، ولو انصرف إلى الأدب لكان له منزلة ومكانة، ويجمع معاصروه على براعته في ‏الخطابة وتفوقه فيها، فكان يملك أفئدة الناس بأسلوبه المؤثر ونبراته الصادقة، وعظاته البالغة، ‏وذكر السبكي أن لابن دقيق العيد "ديوان خطب". وله أيضًا "ديوان شعر" جمعه صلاح الدين ‏الصفدي المؤرخ المعروف، ونُشر بالقاهرة.‏

قاضي القضاة
تولى ابن دقيق العيد منصب قاضي القضاة في أخريات حياته في (18 من جمادى الأولى ‏‏695هـ= من مارس 1296م) بعد وفاة القاضي ابن بنت الأعز، وقبله بعد تردد وإلحاح، ‏وكانت فترة توليه القضاء على قصرها من أكثر سني عمره خطرًا وأعظمها شأنًا، فقد أصبح ‏على اتصال وثيق بالسلطان وكبار رجال الدولة، لكن كان له من ورعه ودينه وعلمه ما يجعله ‏يجهر بالحق ويدافع عنه، فلا يقبل شهادة الأمير؛ لأنه عنده غير عدل، وإن كان الكبراء ‏والعلماء يتملقونه ويقتربون إليه، فرد شهادة "منكوتمر" نائب السلطنة حين بعث إليه يعلمه أن ‏تاجرًا مات وترك أخًا من غير وارث سواه، وأراد منه أن يثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث ‏بناء على هذا الإخبار، فرفض ابن دقيق العيد، وترددت الرسل بينهما، لكن القاضي كان يرفض ‏في كل مرة، على الرغم من إلحاح منكوتمر عليه؛ لأن الأدلة لم تكن كافية لإثبات أخوة ‏المذكور إلا شهادة منكوتمر، وأمام إصرار نائب السلطنة، استقال ابن دقيق من منصب القضاء ‏احترامًا لنفسه وإجلالاً لمنصب القضاء، فلما بلغ السلطان "حسام الدين لاجين" ذلك أنكر على ‏نائبه تصرفه في التدخل في عمل القضاء، وأرسل في طلب الشيخ، فلما جاء قام إليه وأجلسه ‏بجواره، وأخذ يسترضيه ويتلطف به حتى قبل أن يعود إلى منصبه.‏
ويذكر له وهو في منصبه أن رفض قيام السلطان "الناصر محمد بن قلاوون" بجمع المال ‏من الرعية لمواجهة التتار، معتمدًا على الفتوى التي أصدرها العز بن عبد السلام بجواز ذلك ‏أيام سيف الدين قطز، وقال للسلطان: إن ابن عبد السلام لم يفت في ذلك إلا بعد أن أحضر ‏جميع الأمراء كل ما لديهم من أموال، ثم قال له في شجاعة: كيف يحل مع ذلك أخذ شيء من ‏أموال الرعية، لا والله لا جاز لأحد أن يتعرض لدرهم من أولاد الناس إلا بوجه شرعي" ‏واضطر السلطان أن يرضخ لكلام القاضي الشجاع.‏
ولا شك أن ابن دقيق العيد قد ارتفع بمنزلة القاضي وحافظ على كرامة منصبه، فتطبيق ‏الأحكام الشرعية هو سبيله إلى العدل دون تفرقة، والالتزام بالحق هو الميزان الذي يستعمله في ‏قضاياه وفتاواه، فحين رأى بعض الناس تستحلّ أموال اليتامى القصّر الذين لا يستطيعون ‏التصرف فيما يرثونه من أموال أنشأ ما يسمى "المودع الحكمي"، وهو شبه في زماننا "الديوان ‏الحسبي" تُحفظ فيه أموال اليتامى الصغار، يقول ابن حجر العسقلاني: "وهو أول من عمل ‏المودع الحكمي، وقرر أن من مات وله وارث إن كان كبيرًا أقبض حصته، وإن كان صغيرًا ‏أحمل المال في المودع، وإن كان للميت وصي خاص ومعه عدول يندبهم القاضي لينضبط ‏أصل المال على كل تقدير".‏
وكان ابن دقيق معنيًا بشئون القضاة الذين يتبعونه في الأقاليم، فيرسل إليهم الرسائل ‏المطولة التي ترسم لهم ما يجب عليهم أن ينتهجوه ويلتزموه في أحكامهم، وكيفية معالجة قضايا ‏الناس، وتضمنت رسائله أيضًا وصاياه لهم بالتزام العدل وتطبيق أحكام الشرع.‏

وفاة الشيخ

يذكر عدد كبير من المؤخرين أن ابن دقيق العيد كان على رأس المائة السابعة الذي حدد ‏للأمة أمر دينها بعلمه الغزير واجتهاده الواسع، وشهد له معاصروه بالسبق والتقدم في العلم، فقد ‏كان ضليعًا في جميع العلوم اللغوية والشرعية والعقلية. ويؤكد السبكي ذلك فيقول: "ولم ندرك ‏أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، المشار ‏إليه في الحديث النبوي، وأنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا".‏
وقضى الشيخ حياته بين التأليف والتدريس نهارًا، والعبادة والصلاة ليلاً، حتى لقي الله في ‏يوم الجمعة (11 من صفر 702هـ=5 من أكتوبر 1302م).‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى – تحقيق محمود محمد الطناحي ‏وعبد الفتاح محمد الحلو – دار هجر للطباعة والنشر – القاهرة – 1413هـ=1992م.‏
‎•‎ الأدفوي: الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد – تحقيق سعد محمد حسن ‏‏– الدار المصرية للتأليف والترجمة – القاهرة – 1966م.‏
‎•‎ الإسنوي: طبقات الشافعية – تحقيق عبد الله الجبوري – رئاسة ديوان الأوقاف ‏‏– بغداد – 1390هـ.‏
‎•‎ محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي – مكتبة ‏الآداب – القاهرة – بدون تاريخ.‏
‎•‎ علي صافي حسين: ابن دقيق العيد حياته وديوانه – دار المعارف – القاهرة – ‏‏1960م.‏

************


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

hamo81

avatar
المشرف العام
المشرف العام
الجوينى إمام الحرمين


مولده ونشأته:‏
ولد الجويني في 18 من المحرم 419هـ - 12 من فبراير 1028م، في بيت عرف ‏بالعلم والتدين؛ فقد كان أبوه "عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيويه" واحدًا من ‏علماء نيسابور المعروفين، وأحد فقهاء المذهب الشافعي، وله مؤلفات كثيرة في التفسير والفقه ‏والعقائد والعبادات، وقد اشتهر بحبه الشديد للعلم، كما عرف بالصلاح والورع، ومن ثم فقد ‏حرص على تنشئة ابنه "عبد الملك" تنشئة إسلامية صحيحة، في جو من العلم والأدب والثقافة ‏الإسلامية.‏
وكان مثالا أو قدوة احتذي بها ابنه في كثير من الصفات، وحرص الأب على أن يعلم ‏ابنه بنفسه منذ حداثة سنه؛ فدَرَّس له الفقه والعربية وعلومها، واجتهد في تعليمه الفقه والخلاف ‏والأصول، واستطاع الجويني أن يحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وكان يحضر مجالس ‏والده حتى برز على أقرانه، وتفوق على كثير ممن كانوا يتلقون العلم في مدرسة أبيه، وقد ‏ساعده على ذلك ما حباه الله به من عقل راجح، وذهن موقد، وحافظة قوية، مع حبه للعلم ‏وشغفه بالاطلاع والبحث.‏

الجويني بين الدرس والتدريس:‏
وكان الجويني ذا روح وثّابة إلى الحق والمعرفة، يميل إلى البحث والنقد والاستقصاء؛ ‏فلا يقبل ما يأباه عقله، ويرفض ما بدا له فيه أدنى شبهة أو ريبة، وظل الجويني ينهل من العلم ‏والمعرفة في شغف ودأب شديدين حتى صار من أئمة عصره المعروفين، وهو لم يتجاوز ‏العشرين من عمره، فلما توفى أبوه جلس مكانه للتدريس وهو في تلك السن المبكرة؛ فكان ‏يدرس المذهب الشافعي، ويدافع عن العقيدة الأشعرية، ولكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في ‏البحث ومواصلة التحصيل والاطلاع؛ فكان تلميذا وأستاذا في آن واحد.‏

شيوخه وأساتذته:‏
ومع أن والده كان هو المعلم الأول في حياته، فإن ذلك لم يمنعه من التلقي على مشاهير ‏علماء عصره؛ فأخذ علوم الفقه عن "أبي القاسم الإسفراييني"، كما تلقى علوم القرآن الكريم على ‏يد "أبي عبد الله محمد بن علي النيسابوري الجنازي" والذي عرف بشيخ القراء وغيرهم.‏
‏* الرحيل إلى الحجاز:‏
كان نجم الجويني قد بدأ يلمع في نيسابور وما حولها، وانتشر صيته حتى بلغ العراق ‏والشام والحجاز ومصر، لكنه تعرض لبعض العنت والتضييق، فاضطر إلى مغادرة نيسابور، ‏وتوجه إلى بغداد فأقام فيها فترة وتوافد عليه الطلاب والدارسون، وما لبث أن رحل إلى الحجاز ‏فأقام بمكة وظل بها أربع سنوات يدرس ويفتي ويناظر حتى لقبه الناس "إمام الحرمين" لعلمه ‏واجتهاده، فكان يقضي يومه بين العلم والتدريس ويقيم ليله طائفا متعبدا في الكعبة المشرفة؛ ‏فصفت نفسه، وعلت همته، وارتفع قدره.‏

الجويني والتصوف:‏
وقد عرف التصوف الحق طريقه إلى قلب الجويني؛ فكانت مجالسه الصوفية رياضة ‏روحية وسياحة نفسية يحلق بها في آفاق إيمانية وحبه، يبكي فيبكي الحاضرون لبكائه، ويجد ‏فيها مجاهدة لنفسه ومراجعة لها.‏

* العودة إلى نيسابور:‏
وعاد الجويني مرة أخرى إلى نيسابور؛ حيث قام بالتدريس في المدرسة النظامية التي ‏أنشأها له الوزير "نظام الملك" لتدريس المذهب السني.‏
وظل الإمام الجويني يدرس بالمدرسة النظامية، فذاع صيته بين العلماء، وقصده الطلاب ‏والدارسون من البلاد الأخرى.‏
وكانت هذه الفترة من أخصب الفترات في حياة الإمام؛ ففيها بلغ أوج نضجها العلمي، ‏وصنف الكثير من مؤلفاته.‏

آثاره ومؤلفاته:‏
ومؤلفات الجويني على كثرتها لم تنل القدر الملائم لها من العناية والاهتمام من قبل ‏الباحثين والمحققين، فمعظمها لا يزال مخطوطا، ولم يطبع منها إلا عدد قليل منها:‏
‏- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد.‏
‏- البرهان في أصول الفقه.‏
‏- الرسالة النظامية (أو العقيدة النظامية).‏
‏- الشامل في أصول الدين.‏
‏- غياث الأمم في التياث الظلم.‏
‏- لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة.‏
‏- الورقات في أصول الفقه.‏
وبرغم ما عرفه به الجويني من غزارة العلم، وما اتسم به من رجاحة العقل وحب العلم، ‏وما بذله من جهد صادق في خدمة الدين، فإنه كان هدفا لبعض الطاغين عليه، الذين حاولوا ‏النيل من علمه والتشكيك في صحة عقيدته، وذلك من خلال أقوال اقتطعوها من كلامه، ‏وأخرجوها من سياقها، وراحوا يفسرونها على هواهم، وفق ما أرادوا توجيهها إليه، ولكنها ‏اتهامات مرسلة، ومطاعن واهية لا تستند إلى حقائق علمية.‏

نهاية الرحلة:‏
وبعد رحلة حياة حافلة بالعلم والعطاء، أصيب الجويني بعلة شديدة، فلما أحس بوطأة ‏المرض عليه انتقل إلى "بشتنقان" للاستشفاء بجوها المعتدل، ولكن اشتد عليه المرض فمات بها، ‏وذلك في مساء الأربعاء 25 من ربع الآخر 478هـ - 20 من أغسطس 1185م، عن عمر ‏بلغ تسعا وخمسين عاما.‏ ‏

***********


_________________



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 3]

انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى